سورة الكهف · الآية ١٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا الاستفهام بمعنى النفي والنهي. أي: لا تظن أن قصة أصحاب الكهف، وما جرى لهم، غريبة على آيات الله، وبديعة في حكمته، وأنه لا نظير لها، ولا مجانس لها، بل لله تعالى من الآيات العجيبة الغريبة ما هو كثير، من جنس آياته في أصحاب الكهف وأعظم منها، فلم يزل الله يري عباده من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم، ما يتبين به الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وليس المراد بهذا النفي أن تكون قصة أصحاب الكهف من العجائب، بل هي من آيات الله العجيبة، وإنما المراد، أن جنسها كثير جدا، فالوقوف معها وحدها، في مقام العجب والاستغراب، نقص في العلم والعقل، بل وظيفة المؤمن التفكر بجميع آيات الله، التي دعا الله العباد إلى التفكير فيها، فإنها مفتاح الإيمان، وطريق العلم والإيقان. وأضافهم إلى الكهف، الذي هو الغار في الجبل، والرقيم، أي: الكتاب الذي قد رقمت فيه أسماؤهم وقصتهم، لملازمتهم له دهرا طويلا. ثم ذكر قصتهم مجملة، وفصلها بعد ذلك فقال: { إذ أوى الفتية } أي: الشباب، { إلى الكهف } يريدون بذلك التحصن والتحرز من فتنة قومهم لهم، { فقالوا ربنآ آتنا من لدنك رحمة } أي تثبتنا بها وتحفظنا من الشر، وتوفقنا للخير { وهيىء لنا من أمرنا رشدا } أي: يسر لنا كل سبب موصل إلى الرشد، وأصلح لنا أمر ديننا ودنيانا، فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة، إلى محل يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرعهم وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم وعلى الخلق، فلذلك استجاب الله دعاءهم، وقيض لهم ما لم يكن في حسابهم، قال: { فضربنا على آذانهم في الكهف } أي أنمناهم { سنين عددا } وهي ثلاث مائة سنة وتسع سنين، وفي النوم المذكور حفظ لقلوبهم من الاضطراب والخوف، وحفظ لهم من قومهم وليكون آية بينة. { ثم بعثناهم } أي: من نومهم { لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } أي: لنعلم أيهم أحصى لمقدار مدتهم، كما قال تعالى: وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم الآية …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هذا إخبار عن قصة أصحاب (1) الكهف [والرقيم] (2) على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك فقال: {أم حسبت} يعني: يا محمد {أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} أي: ليس أمرهم عجيبا (3) في قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر (4) ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف [والرقيم] (5) كما قال ابن جريج (6) عن مجاهد: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك! وقال العوفي، عن ابن عباس: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب، أفضل من شأن أصحاب (7) الكهف والرقيم. وقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت (8) من حججي على العباد، أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم. [وأما "الكهف" فهو: الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون. وأما "الرقيم"] (9) فقال العوفي، عن ابن عباس: هو واد قريب من أيلة. وكذا قال عطية العوفي، وقتادة. وقال الضحاك: أما "الكهف" فهو: غار الوادي، و "الرقيم": اسم الوادي. وقال مجاهد: "الرقيم": كان (10) بنيانهم (11) ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم. وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: "الرقيم"، قال: يزعم كعب أنها القرية. وقال ابن جريج عن ابن عباس: "الرقيم" الجبل الذي فيه الكهف. وقال ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن [مجاهد عن] (12) ابن عباس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس. وقال ابن جريج: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي: أن اسم جبل الكهف بنجلوس، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٣٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بدينهم إلى الله، فقالوا إذ آووه: {ربنا آتنا من لدنك رحمة} [الكهف: 10] رغبة منهم إلى ربهم، في أن يرزقهم من عنده رحمة. وقوله: {وهيئ لنا من أمرنا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/١٦١) ↗التحرير والتنوير
و (أم) هذه هي (أم) المنقطعة بمعنى (بل) ، وهي ملازمة لتقدير الاستفهام معها، يقدر بعدها حرف استفهام، وقد يكون ظاهرا بعدها كقول أفنون التغلبي: أنى جزوا عامرا سوءا بضعته ... أم كيف يجزونني السوأى عن الحسن والاستفهام المقدر بعد (أم) تعجيبي مثل الذي في البيت. والتقدير هنا: أحسبت أن أصحاب الكهف كانوا عجبا من بين آياتنا، أي أعجب من بقية آياتنا، فإن إماتة الأحياء بعد حياتهم أعظم من عجب إنامة أهل الكهف. لأن في إنامتهم إبقاء للحياة في أجسامهم وليس في إماتة الأحياء إبقاء لشيء من الحياة فيهم على كثرتهم وانتشارهم. وهذا تعريض بغفلة الذين طلبوا من النبيء صلى الله عليه وآله وسلم بيان قصة أهل الكهف لاستعلام ما فيها من العجب، بأنهم سألوا عن عجيب وكفروا بما هو أعجب، وهو انقراض العالم، فإنهم كانوا يعرضون عن ذكر فناء العالم ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر [الجاثية: 24] . أي إن الحياة إلا حياتنا الدنيا لا حياة الآخرة وإن الدهر يهلكنا وهو باق. وفيه لفت لعقول السائلين عن الاشتغال بعجائب القصص إلى أن الأولى لهم الاتعاظ بما فيها من العبر والأسباب وآثارها. ولذلك ابتدئ ذكر أحوالهم بقوله: إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا [الكهف: 10] فأعلم الناس بثبات إيمانهم بالله ورجائهم فيه، وبقوله: إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى [الكهف: 13] . الآيات الدال على أنهم أبطلوا الشرك وسفهوا أهله تعريضا بأن حق السامعين أن يقتدوا بهداهم. والخطاب للنبيء صلى الله عليه وآله وسلم. والمراد: قومه الذين سألوا عن القصة، وأهل الكتاب الذين أغروهم بالسؤال عنها وتطلب بيانها. ويظهر أن الذين لقنوا قريشا السؤال عن أهل الكهف هم بعض النصارى الذين لهم صلة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٥٩) ↗