سورة الكهف · الآية ٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا الاستفهام بمعنى النفي والنهي. أي: لا تظن أن قصة أصحاب الكهف، وما جرى لهم، غريبة على آيات الله، وبديعة في حكمته، وأنه لا نظير لها، ولا مجانس لها، بل لله تعالى من الآيات العجيبة الغريبة ما هو كثير، من جنس آياته في أصحاب الكهف وأعظم منها، فلم يزل الله يري عباده من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم، ما يتبين به الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وليس المراد بهذا النفي أن تكون قصة أصحاب الكهف من العجائب، بل هي من آيات الله العجيبة، وإنما المراد، أن جنسها كثير جدا، فالوقوف معها وحدها، في مقام العجب والاستغراب، نقص في العلم والعقل، بل وظيفة المؤمن التفكر بجميع آيات الله، التي دعا الله العباد إلى التفكير فيها، فإنها مفتاح الإيمان، وطريق العلم والإيقان. وأضافهم إلى الكهف، الذي هو الغار في الجبل، والرقيم، أي: الكتاب الذي قد رقمت فيه أسماؤهم وقصتهم، لملازمتهم له دهرا طويلا. ثم ذكر قصتهم مجملة، وفصلها بعد ذلك فقال: { إذ أوى الفتية } أي: الشباب، { إلى الكهف } يريدون بذلك التحصن والتحرز من فتنة قومهم لهم، { فقالوا ربنآ آتنا من لدنك رحمة } أي تثبتنا بها وتحفظنا من الشر، وتوفقنا للخير { وهيىء لنا من أمرنا رشدا } أي: يسر لنا كل سبب موصل إلى الرشد، وأصلح لنا أمر ديننا ودنيانا، فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة، إلى محل يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرعهم وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم وعلى الخلق، فلذلك استجاب الله دعاءهم، وقيض لهم ما لم يكن في حسابهم، قال: { فضربنا على آذانهم في الكهف } أي أنمناهم { سنين عددا } وهي ثلاث مائة سنة وتسع سنين، وفي النوم المذكور حفظ لقلوبهم من الاضطراب والخوف، وحفظ لهم من قومهم وليكون آية بينة. { ثم بعثناهم } أي: من نومهم { لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } أي: لنعلم أيهم أحصى لمقدار مدتهم، كما قال تعالى: وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم الآية …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هذا إخبار عن قصة أصحاب (1) الكهف [والرقيم] (2) على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك فقال: {أم حسبت} يعني: يا محمد {أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} أي: ليس أمرهم عجيبا (3) في قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر (4) ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف [والرقيم] (5) كما قال ابن جريج (6) عن مجاهد: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك! وقال العوفي، عن ابن عباس: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب، أفضل من شأن أصحاب (7) الكهف والرقيم. وقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت (8) من حججي على العباد، أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم. [وأما "الكهف" فهو: الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون. وأما "الرقيم"] (9) فقال العوفي، عن ابن عباس: هو واد قريب من أيلة. وكذا قال عطية العوفي، وقتادة. وقال الضحاك: أما "الكهف" فهو: غار الوادي، و "الرقيم": اسم الوادي. وقال مجاهد: "الرقيم": كان (10) بنيانهم (11) ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم. وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: "الرقيم"، قال: يزعم كعب أنها القرية. وقال ابن جريج عن ابن عباس: "الرقيم" الجبل الذي فيه الكهف. وقال ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن [مجاهد عن] (12) ابن عباس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس. وقال ابن جريج: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي: أن اسم جبل الكهف بنجلوس، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٣٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أصحاب الكهف، وحجتي بكل ذلك ثابتة على هؤلاء المشركين من قومك، وغيرهم من سائر عبادي. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/١٥٥) ↗التحرير والتنوير
والبلو: الاختبار والتجربة. وقد تقدم عند قوله تعالى: هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت في سورة يونس [30] . وهو هنا مستعار لتعلق علم الله التنجيزي بالمعلوم عند حصوله بقرينة الأدلة العقلية والسمعية الدالة على إحاطة علم الله بكل شيء قبل وقوعه فهو مستغن عن الاختبار والتجربة. وفائدة هذه الاستعارة الانتقال منها إلى الكناية عن ظهور ذلك لكل الناس حتى لا يلتبس عليهم الصالح بضده. وهو كقول قيس بن الخطيم: وأقبلت والخطي يخطر بيننا ... لأعلم من جبانها من شجاعها وقوله: وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا تكميل للعبرة وتحقيق لفناء العالم. فقوله: لجاعلون اسم فاعل مراد به المستقبل، أي سنجعل ما على الأرض كله معدوما فلا يكون على الأرض إلا تراب جاف أجرد لا يصلح للحياة فوقه وذلك هو فناء العالم، قال تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض [إبراهيم: 48] . والصعيد: التراب. والجرز: القاحل الأجرد. وسيأتي بيان معنى الصعيد عند قوله: فتصبح صعيدا زلقا في هذه السورة [40] . [9] 9] أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) (أم) للإضراب الانتقالي من غرض إلى غرض. ولما كان هذا من المقاصد التي أنزلت السورة لبيانها لم يكن هذا الانتقال اقتضابا بل هو كالانتقال من الديباجة والمقدمة إلى المقصود. على أن مناسبة الانتقال إليه تتصل بقوله تعالى: فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [الكهف: 6] ، إذ كان مما صرف المشركين عن الإيمان إحالتهم الإحياء بعد الموت، فكان ذكر أهل الكهف وبعثهم بعد خمودهم سنين طويلة مثالا لإمكان البعث.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٥٨) ↗