البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الكهف · الآية ١١

﴿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

وهذا الاستفهام بمعنى النفي والنهي. أي: لا تظن أن قصة أصحاب الكهف، وما جرى لهم، غريبة على آيات الله، وبديعة في حكمته، وأنه لا نظير لها، ولا مجانس لها، بل لله تعالى من الآيات العجيبة الغريبة ما هو كثير، من جنس آياته في أصحاب الكهف وأعظم منها، فلم يزل الله يري عباده من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم، ما يتبين به الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وليس المراد بهذا النفي أن تكون قصة أصحاب الكهف من العجائب، بل هي من آيات الله العجيبة، وإنما المراد، أن جنسها كثير جدا، فالوقوف معها وحدها، في مقام العجب والاستغراب، نقص في العلم والعقل، بل وظيفة المؤمن التفكر بجميع آيات الله، التي دعا الله العباد إلى التفكير فيها، فإنها مفتاح الإيمان، وطريق العلم والإيقان. وأضافهم إلى الكهف، الذي هو الغار في الجبل، والرقيم، أي: الكتاب الذي قد رقمت فيه أسماؤهم وقصتهم، لملازمتهم له دهرا طويلا. ثم ذكر قصتهم مجملة، وفصلها بعد ذلك فقال: { إذ أوى الفتية } أي: الشباب، { إلى الكهف } يريدون بذلك التحصن والتحرز من فتنة قومهم لهم، { فقالوا ربنآ آتنا من لدنك رحمة } أي تثبتنا بها وتحفظنا من الشر، وتوفقنا للخير { وهيىء لنا من أمرنا رشدا } أي: يسر لنا كل سبب موصل إلى الرشد، وأصلح لنا أمر ديننا ودنيانا، فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة، إلى محل يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرعهم وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم وعلى الخلق، فلذلك استجاب الله دعاءهم، وقيض لهم ما لم يكن في حسابهم، قال: { فضربنا على آذانهم في الكهف } أي أنمناهم { سنين عددا } وهي ثلاث مائة سنة وتسع سنين، وفي النوم المذكور حفظ لقلوبهم من الاضطراب والخوف، وحفظ لهم من قومهم وليكون آية بينة. { ثم بعثناهم } أي: من نومهم { لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } أي: لنعلم أيهم أحصى لمقدار مدتهم، كما قال تعالى: وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم الآية …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

هذا إخبار عن قصة أصحاب (1) الكهف [والرقيم] (2) على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك فقال: {أم حسبت} يعني: يا محمد {أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} أي: ليس أمرهم عجيبا (3) في قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر (4) ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف [والرقيم] (5) كما قال ابن جريج (6) عن مجاهد: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك! وقال العوفي، عن ابن عباس: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب، أفضل من شأن أصحاب (7) الكهف والرقيم. وقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت (8) من حججي على العباد، أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم. [وأما "الكهف" فهو: الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون. وأما "الرقيم"] (9) فقال العوفي، عن ابن عباس: هو واد قريب من أيلة. وكذا قال عطية العوفي، وقتادة. وقال الضحاك: أما "الكهف" فهو: غار الوادي، و "الرقيم": اسم الوادي. وقال مجاهد: "الرقيم": كان (10) بنيانهم (11) ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم. وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: "الرقيم"، قال: يزعم كعب أنها القرية. وقال ابن جريج عن ابن عباس: "الرقيم" الجبل الذي فيه الكهف. وقال ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن [مجاهد عن] (12) ابن عباس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس. وقال ابن جريج: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي: أن اسم جبل الكهف بنجلوس، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٣٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

بالفالج، بمعنى ابتلاه الله به، وأرسله عليه. وقوله: {سنين عددا} [الكهف: 11] يعني سنين معدودة، ونصب العدد بقوله {فضربنا} [الكهف: 11] . وقوله: {ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى} [الكهف: 12] يقول: ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددا من رقدتهم، لينظر عبادي فيعلموا بالبحث، أي الطائفتين اللتين اختلفتا في قدر مبلغ مكث الفتية في كهفهم رقودا {أحصى لما لبثوا أمدا} [الكهف: 12] يقول: أصوب لقدر لبثهم فيه أمدا، ويعني بالأمد: الغاية، كما قال النابغة: [البحر البسيط] إلا لمثلك أو من أنت سابقه %~% سبق الجواد إذا استولى على الأمد وذكر أن الذين اختلفوا في ذلك من أمورهم، قوم من قوم الفتية، فقال بعضهم: كان الحزبان جميعا كافرين. وقال بعضهم: بل كان أحدهما مسلما، والآخر كافرا

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/١٧٦) ↗

التحرير والتنوير

12] فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12) تفريع هذه الجملة- بالفاء- إما على جملة دعائهم، فيؤذن بأن مضمونها استجابة دعوتهم، فجعل الله إنامتهم كرامة لهم. بأن سلمهم من التعذيب بأيدي أعدائهم، وأيد بذلك أنهم على الحق، وأرى الناس ذلك بعد زمن طويل. وإما على جملة إذ أوى الفتية [الكهف: 10] إلخ فيؤذن بأن الله عجل لهم حصول ما قصدوه مما لم يكن في حسبانهم. والضرب: هنا بمعنى الوضع، كما يقال: ضرب عليه حجابا، ومنه قوله تعالى: ضربت عليهم الذلة [البقرة: 61] ، وقد تقدم تفصيله عند قوله تعالى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما [البقرة: 26] . وحذف مفعول فضربنا لظهوره، أي ضربنا على آذانهم غشاوة أو حائلا عن السمع، كما يقال: بنى على امرأته، تقديره: بنى بيتا. والضرب على الآذان كناية عن الإنامة لأن النوم الثقيل يستلزم عدم السمع، لأن السمع السليم لا يحجبه إلا النوم، بخلاف البصر الصحيح فقد يحجب بتغميض الأجفان. وهذه الكناية من خصائص القرآن لم تكن معروفة قبل هذه الآية وهي من الإعجاز. وعددا نعت سنين. والعدد: مستعمل في الكثرة، أي سنين ذات عدد كثير. ونظيره ما في حديث بدء الوحي من قول عائشة: فكان يخرج إلى غار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد» تريد الكثيرة. وقد أجمل العدد هنا تبعا لإجمال القصة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٦٨) ↗