سورة الإسراء · الآية ٩٩
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه المنفرد بالهداية والإضلال، فمن يهده، فييسره لليسرى ويجنبه العسرى، فهو المهتدي على الحقيقة، ومن يضلله، فيخذله، ويكله إلى نفسه، فلا هادي له من دون الله، وليس له ولي ينصره من عذاب الله، حين يحشرهم الله على وجوههم خزيا وإهانه، عميا وبكما، لا يبصرون ولا ينطقون. { مأواهم } أي: مقرهم ودارهم { جهنم } التي جمعت كل هم وغم وعذاب. { كلما خبت } أي: تهيأت للانطفاء { زدناهم سعيرا } أي: سعرناها بهم لا يفتر عنهم العذاب، ولا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولم يظلمهم الله تعالى، بل جازاهم بما كفروا بآياته وأنكروا البعث الذي أخبرت به الرسل ونطقت به الكتب وعجزوا ربهم وأنكروا تمام قدرته. { وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } أي: لا يكون هذا لأنه في غاية البعد عن عقولهم الفاسدة. { أولم يروا أن الله الذي خلق السموت والأرض } وهي أكبر من خلق الناس. { قادر على أن يخلق مثلهم } بلى، إنه على ذلك قدير. { و } لكنه قد { جعل } لذلك { أجلا لا ريب فيه } ولا شك، وإلا فلو شاء لجاءهم به بغتة، ومع إقامته الحجج والأدلة على البعث. { فأبى الظالمون إلا كفورا } ظلما منهم وافتراء. { قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي } التي لا تنفذ ولا تبيد. { إذا لأمسكتم خشية الإنفاق } أي: خشية أن ينفد ما تنفقون منه، مع أنه من المحال أن تنفد خزائن الله، ولكن الإنسان مطبوع على الشح والبخل.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ٩٧–١٠٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ومبشرين ومنذرين ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم، وما ألبس (1) أولياءه من النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا، بل كذبوا وجحدوا، وقالوا: {لو شاء ربنا لأنزل ملائكة} أي: لو أرسل الله رسلا (2) لكانوا ملائكة من عنده، {فإنا بما أرسلتم به} أي: أيها البشر {كافرون} أي: لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا. قال الله تعالى: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض [بغير الحق] } (3) أي: بغوا وعتوا وعصوا، {وقالوا من أشد منا قوة} أي: منوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون به من بأس الله! {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} أي: أفما يتفكرون (4) فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه شديد، كما قال تعالى: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} [الذاريات: 47] ، فبارزوا الجبار بالعداوة، وجحدوا بآياته وعصوا رسوله، فلهذا قال: {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا} قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب. وقيل: الباردة. وقيل: هي التي لها صوت. والحق أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحا شديدة قوية؛ لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدا، كقوله تعالى: {بريح صرصر عاتية} [الحاقة:6] ، أي: باردة شديدة، وكانت ذات صوت مزعج، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق "صرصرا (5) لقوة صوت جريه. وقوله: {في أيام نحسات} أي: متتابعات، {سبع ليال وثمانية أيام حسوما} [الحاقة: 7] ، كقوله {في يوم نحس مستمر} [القمر: 19] ، أي: ابتدئوا بهذا العذاب في يوم نحس عليهم، واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة؛ ولهذا قال تعالى: {لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى} [أي] (6) أشد خزيا لهم، {وهم لا ينصرون} أي: في الأخرى (7) ، كما لم ينصروا في الدنيا، وما كان لهم من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لمبعوثون خلقا جديدا} بعيون قلوبهم، فيعلمون أن الله الذي خلق السموات والأرض، فابتدعها من غير شيء، وأقامها بقدرته، قادر بتلك القدرة على أن يخلق مثلهم أشكالهم وأمثالهم من الخلق بعد فنائهم، وقبل ذلك وأن من قدر على ذلك فلا يمتنع عليه إعادتهم خلقا جديدا، بعد أن يصيروا عظاما ورفاتا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٩٧) ↗التحرير والتنوير
والظاهر أن جملة وقالوا أإذا كنا عظاما إلخ. عطف على جملة بأنهم كفروا. فذكر وجه اجتماع تلك العقوبات لهم، وذكر سببان: أحدهما: الكفر بالآيات ويندرج فيه صنوف من الجرائم تفصيلا وجمعا تناسبها العقوبة التي في قوله: ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم [الإسراء: 97] . وثانيهما: إنكارهم البعث بقولهم: أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا المناسب له أن يعاقبوا عقابا يناسب ما أنكروه من تجدد الحياة بعد المصير رفاتا، فإن رفات الإحراق أشد اضمحلالا من رفات العظام في التراب. والاستفهام في حكاية قولهم: أإذا كنا عظاما وقوله: أإنا لمبعوثون إنكاري. وتقدم اختلاف القراء في إثبات الهمزتين في قوله: أإذا وفي إثباتها في قوله: أإذا.. لمبعوثون في نظير هذه الآية من هذه السورة. [99] 99] أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (99) جملة أولم يروا عطف على جملة ذلك جزاؤهم [الإسراء: 98] باعتبار ما تضمنته الجملة المعطوف عليها من الردع عن قولهم: أإذا كنا عظاما ورفاتا [الإسراء: 98] . فبعد زجرهم عن إنكارهم البعث بأسلوب التهديد عطف عليه إبطال اعتقادهم بطريق الاستدلال بقياس التمثيل في الإمكان، وهو كاف في إقناعهم هنا لأنهم إنما أنكروا البعث باعتقاد استحالته كما أفصح عنه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢١٩) ↗