البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الإسراء · الآية ١٠٠

﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى أنه المنفرد بالهداية والإضلال، فمن يهده، فييسره لليسرى ويجنبه العسرى، فهو المهتدي على الحقيقة، ومن يضلله، فيخذله، ويكله إلى نفسه، فلا هادي له من دون الله، وليس له ولي ينصره من عذاب الله، حين يحشرهم الله على وجوههم خزيا وإهانه، عميا وبكما، لا يبصرون ولا ينطقون. { مأواهم } أي: مقرهم ودارهم { جهنم } التي جمعت كل هم وغم وعذاب. { كلما خبت } أي: تهيأت للانطفاء { زدناهم سعيرا } أي: سعرناها بهم لا يفتر عنهم العذاب، ولا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولم يظلمهم الله تعالى، بل جازاهم بما كفروا بآياته وأنكروا البعث الذي أخبرت به الرسل ونطقت به الكتب وعجزوا ربهم وأنكروا تمام قدرته. { وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } أي: لا يكون هذا لأنه في غاية البعد عن عقولهم الفاسدة. { أولم يروا أن الله الذي خلق السموت والأرض } وهي أكبر من خلق الناس. { قادر على أن يخلق مثلهم } بلى، إنه على ذلك قدير. { و } لكنه قد { جعل } لذلك { أجلا لا ريب فيه } ولا شك، وإلا فلو شاء لجاءهم به بغتة، ومع إقامته الحجج والأدلة على البعث. { فأبى الظالمون إلا كفورا } ظلما منهم وافتراء. { قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي } التي لا تنفذ ولا تبيد. { إذا لأمسكتم خشية الإنفاق } أي: خشية أن ينفد ما تنفقون منه، مع أنه من المحال أن تنفد خزائن الله، ولكن الإنسان مطبوع على الشح والبخل.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ٩٧–١٠٠) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى لرسوله صلوات الله عليه وسلامه (1) قل لهم يا محمد: لو أنكم -أيها الناس -تملكون التصرف في خزائن الله، لأمسكتم خشية الإنفاق. قال ابن عباس، وقتادة: أي الفقر أي: خشية أن تذهبوها (2) ، مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدا؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم؛ ولهذا قال: (وكان الإنسان قتورا) قال ابن عباس، وقتادة (3) : أي بخيلا منوعا. وقال الله تعالى: {أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا} [النساء: 53] أي: لو أن لهم نصيبا في ملك الله لما أعطوا أحدا شيئا، ولا مقدار نقير، والله تعالى يصف الإنسان من حيث هو، إلا من وفقه الله وهداه؛ فإن البخل والجزع والهلع صفة له، كما قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين} [المعارج: 19 -22] . ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، ويدل هذا على كرمه (4) وجوده وإحسانه، وقد جاء في الصحيحين: "يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه" (5) . يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات، وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون، وهي: العصا، واليد، والسنين (6) ، والبحر، والطوفان (7) ، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات. قاله ابن عباس. وقال محمد بن كعب: هي اليد، والعصا، والخمس في الأعراف، والطمسة والحجر. وقال: ابن عباس أيضا، ومجاهد، وعكرمة والشعبي، وقتادة: هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي. وجعل الحسن البصري "السنين ونقص الثمرات" واحدة، وعنده أن التاسعة هي: تلقف العصا ما يأفكون. {فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين} [الأعراف: 133]

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٢٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

لأمسكتم خشية الإنفاق} [الإسراء: 100] يقول: إذن لبخلتم به، فلم تجودوا بها على غيركم خشية من الإنفاق والإقتار، كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {إذا لأمسكتم خشية الإنفاق} [الإسراء: 100] قال: الفقر حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {خشية الإنفاق} [الإسراء: 100] أي خشية الفاقة حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٩٨) ↗

التحرير والتنوير

وإلا لما أفناهم بعد أن أحياهم، لأن الحكمة تقتضي أن ما يوجده الحكيم يحرص على بقائه وعدم فنائه، فما كان هذا الفناء الذي لا ريب فيه إلا فناء عارضا لاستقبال وجود أعظم من هذا الوجود وأبقى. وعلى هذا الوجه فوجه كون هذا الجعل لهم ظاهر لأن الآجال آجالهم. وكونه لا ريب فيه أيضا ظاهر لأنهم لا يرتابون في أن لحياتهم آجالا. وقد تضمن قوله: لهم أجلا تعريضا بالمنة بنعمة الإمهال على كلا المعنيين وتعريضا بالتذكير بإفاضة الأرزاق عليهم في مدة الأجل لأن في ذكر خلق السماء والأرض تذكيرا بما تحتويه السماوات والأرض من الأرزاق وأسبابها. وجملة فأبى الظالمون إلا كفورا تفريع على الجملتين باعتبار ما تضمنتاه من الإنكار والتعجيب، أي علموا أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على إعادة الأجسام ومع علمهم أبوا إلا كفورا. فالتفريع من تمام الإنكار عليهم والتعجيب من حالهم. واستثناء الكفور من الإباية تأكيد للشيء بما يشبه ضده. والكفور: جحود النعمة، وتقدم آنفا. واختير «الكفور» هنا تنبيها على أنهم كفروا بما يجب اعتقاده، وكفروا نعمة المنعم عليهم فعبدوا غير المنعم. [100] قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا (100) اعتراض ناشىء عن بعض مقترحاتهم التي توهموا عدم حصولها دليلا على انتفاء إرسال بشير، فالكلام استئناف لتكملة رد شبهاتهم. وهذا رد لما تضمنه قولهم: حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا إلى قوله: تفجيرا [الإسراء: 90- 91] ، وقولهم: أو يكون لك بيت من زخرف [الإسراء: 93] من تعذر حصول ذلك لعظيم قيمته.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٢٢٢) ↗