البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة الإسراء · الآية ٨

﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

كثيرا ما يقرن الباري بين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ونبوة موسى صلى الله عليه وسلم، وبين كتابيهما وشريعتيهما، لأن كتابيهما أفضل الكتب، وشريعتيهما أكمل الشرائع، ونبوتيهما أعلى النبوات، وأتباعهما أكثر المؤمنين، ولهذا قال هنا: { وآتينآ موسى الكتاب } الذي هو التوراة { وجعلناه هدى لبني إسرائيل } يهتدون به في ظلمات الجهل إلى العلم بالحق. { ألا تتخذوا من دوني وكيلا } أي: وقلنا لهم ذلك، وأنزلنا إليهم الكتاب لذلك، ليعبدوا الله وحده، وينيبوا إليه، ويتخذوه وحده وكيلا ومدبرا لهم، في أمر دينهم ودنياهم، ولا يتعلقوا بغيره من المخلوقين الذين لا يملكون شيئا، ولا ينفعونهم بشيء. { ذرية من حملنا مع نوح } أي: يا ذرية من مننا عليهم، وحملناهم مع نوح، { إنه كان عبدا شكورا } ففيه التنويه بالثناء على نوح عليه السلام، بقيامه بشكر الله، واتصافه بذلك، والحث لذريته أن يقتدوا به في شكره ويتابعوه عليه، وأن يتذكروا نعمة الله عليهم، إذ أبقاهم واستخلفهم في الأرض وأغرق غيرهم. { وقضينآ إلى بني إسرائيل } أي: تقدمنا وعهدنا إليهم، وأخبرناهم في كتابهم، أنهم لا بد أن يقع منهم إفساد في الأرض مرتين بعمل المعاصي، والبطر لنعم الله، والعلو في الأرض والتكبر فيها، وأنه إذا وقع واحدة منهما، سلط الله عليهم الأعداء، وانتقم منهم، وهذا تحذير لهم وإنذار، لعلهم يرجعون فيتذكرون. { فإذا جآء وعد أولاهما } أي: أولى المرتين اللتين يفسدون فيهما. أي: إذا وقع منهم ذلك الفساد { بعثنا عليكم } بعثا قدريا، وسلطنا عليكم تسليطا كونيا جزائيا { عبادا لنآ أولي بأس شديد } أي: ذوي شجاعة وعدد وعدة فنصرهم الله عليكم، فقتلوكم وسبوا أولادكم، ونهبوا أموالكم، وجاسوا خلال دياركم فهتكوا الدور، ودخلوا المسجد الحرام وأفسدوه. { وكان وعدا مفعولا } لا بد من وقوعه، لوجود سببه منهم. واختلف المفسرون في تعيين هؤلاء المسلطين، إلا أنهم اتفقوا على أنهم قوم كفار. …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى: إنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي: تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون (1) علوا كبيرا، أي: يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس كما قال تعالى: {وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} [الحجر: 66] أي: تقدمنا إليه وأخبرناه بذلك وأعلمناه به. وقوله: {فإذا جاء وعد أولاهما} أي: أولى الإفسادتين {بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد} أي: سلطنا عليكم جندا من خلقنا أولي بأس شديد، أي: قوة وعدة وسلطة (2) شديدة {فجاسوا خلال الديار} أي: تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي: بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدا {وكان وعدا مفعولا} وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم: من هم؟ فعن ابن عباس وقتادة: أنه جالوت الجزري وجنوده، سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك. وقتل داود جالوت؛ ولهذا قال: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا} وعن سعيد بن جبير: أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده. وعنه أيضا، وعن غيره: أنه بختنصر ملك بابل. وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال، إلى أن ملك البلاد، وأنه كان فقيرا مقعدا ضعيفا يستعطي الناس ويستطعمهم، ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس، فقتل بها خلقا كثيرا من بني إسرائيل. وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثا أسنده عن حذيفة مرفوعا مطولا (3) وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث! والعجب كل العجب كيف راج عليه مع إمامته وجلالة قدره! وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي، رحمه الله، بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب. وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها؛ لأن منها ما هو موضوع، من وضع [بعض] (4) زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

فيستنقذكم من أيديهم، وينتشلكم من الذل الذي يحله بكم، ويرفعكم من الخمولة التي تصيرون إليها، فيعزكم بعد ذلك. «وعسى» من الله: واجب. وفعل الله ذلك بهم، فكثر عددهم بعد ذلك، ورفع خساستهم، وجعل منهم الملوك والأنبياء، فقال جل ثناؤه لهم: وإن عدتم يا معشر بني إسرائيل لمعصيتي وخلاف أمري، وقتل رسلي، عدنا عليكم بالقتل والسباء، وإحلال الذل والصغار بكم، فعادوا، فعاد الله عليهم بعقابه وإحلال سخطه بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٥٠٥) ↗

التحرير والتنوير

المملوكون بالرق قيل: عبيد، لا غير. والمقصود بعباد الله هنا الأشوريون أهل بابل وهم جنود بختنصر. والبأس: الشوكة والشدة في الحرب. ووصفه بالشديد لقوته في نوعه كما في آية سورة سليمان [النمل: 33] : قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد. وجملة فجاسوا عطف على بعثنا فهو من المقضى في الكتاب. والجلوس: التخلل في البلاد وطرقها ذهابا وإيابا لتتبع ما فيها. وأريد به هنا تتبع المقاتلة فهو جوس مضرة وإساءة بقرينة السياق. و (خلال) اسم جاء على وزن الجموع ولا مفرد له، وهو وسط الشيء الذي يتخلل منه. قال تعالى: فترى الودق يخرج من خلاله [الروم: 48] . والتعريف في الديار تعريف العهد، أي دياركم، وذلك أصل جعل (ال) عوضا عن المضاف إليه. وهي ديار بلد أورشليم فقد دخلها جيش بختنصر وقتل الرجال وسبى، وهدم الديار، وأحرق المدينة وهيكل سليمان بالنار. ولفظ (الديار) يشمل هيكل سليمان لأنه بيت عبادتهم، وأسر كل بني إسرائيل وبذلك خلت بلاد اليهود منهم. ويدل لذلك قوله في الآية الآتية: وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة. [6- 8] 8] ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8) ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها. عطف جملة فجاسوا [الإسراء: 5] فهو من تمام جواب (إذا) من قوله: فإذا جاء وعد أولاهما [الإسراء: 5] ، ومن بقية المقضي في الكتاب، وهو ماض لفظا مستقبل

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٣١) ↗