سورة الإسراء · الآية ٦٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى نعمته على العباد، بما سخر لهم من الفلك، والسفن والمراكب، وألهمهم كيفية صنعتها، وسخر لها البحر الملتطم، يحملها على ظهره، لينتفع العباد بها في الركوب، والحمل للأمتعة والتجارة. وهذا من رحمته بعباده، فإنه لم يزل بهم رحيما رؤوفا، يؤتيهم من كل ما تعلقت به إرادتهم ومنافعهم. ومن رحمته الدالة على أنه وحده المعبود دون ما سواه، أنهم إذا مسهم الضر في البحر فخافوا من الهلاك لتراكم الأمواج، ضل عنهم ما كانوا يدعون من دون الله في حال الرخاء من الأحياء والأموات، فكأنهم لم يكونوا يدعونهم في وقت من الأوقات لعلمهم أنهم ضعفاء عاجزون عن كشف الضر، وصرخوا بدعوة فاطر الأرض والسماوات الذي تستغيث به في شدائدها جميع المخلوقات، وأخلصوا له الدعاء والتضرع في هذه الحال. فلما كشف الله عنهم الضر، ونجاهم إلى البر، ونسوا ما كانوا يدعون إليه من قبل وأشركوا به، من لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع، وأعرضوا عن الإخلاص لربهم ومليكهم، وهذا من جهل الإنسان وكفره، فإن الإنسان كفور للنعم، إلا من هدى الله، فمن عليه بالعقل السليم، واهتدى إلى الصراط المستقيم، فإنه يعلم، أن الذي يكشف الشدائد، وينجي من الأهوال، هو الذي يستحق أن يفرد وتخلص له سائر الأعمال، في الشدة والرخاء، واليسر والعسر. وأما من خذل، ووكل إلى عقله الضعيف، فإنه لم يلحظ وقت الشدة إلا مصلحته الحاضرة، وإنجاءه في تلك الحال. فلما حصلت له النجاة، وزالت عنه المشقة، ظن بجهله أنه قد أعجز الله، ولم يخطر بقلبه شيء من العواقب الدنيوية، فضلا عن أمور الآخرة. ولهذا ذكرهم الله بقوله: { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا } أي: فهو على كل شيء قدير، إن شاء أنزل عليكم عذابا، من أسفل منكم بالخسف، أو من فوقكم بالحاصب، وهو العذاب الذي يحصبهم فيصبحوا هالكين، فلا تظنوا أن الهلاك لا يكون إلا في البحر. وإن ظننتم ذلك، فأنتم آمنون من { أن يعيدكم } في البحر { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ويغرق المراكب. قال ابن عباس وغيره: القاصف: ريح البحار (1) التي تكسر المراكب وتغرقها (2) . وقوله: {فيغرقكم بما كفرتم} (3) أي: بسبب كفركم وإعراضكم عن الله تعالى. وقوله: {ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا} قال ابن عباس: نصيرا. وقال مجاهد: نصيرا ثائرا، أي: يأخذ بثأركم بعدكم. وقال قتادة: ولا نخاف أحدا يتبعنا بشيء من ذلك. يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم، وتكريمه إياهم، في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها (4) كما قال: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [التين: 4] أي: يمشي قائما منتصبا على رجليه، ويأكل بيديه -وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه -وجعل له سمعا وبصرا وفؤادا، يفقه بذلك كله وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية. {وحملناهم في البر} (5) أي: على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفي "البحر" أيضا على السفن الكبار والصغار. {ورزقناهم من الطيبات} أي: من زروع وثمار، ولحوم وألبان، من سائر أنواع الطعوم (6) والألوان، المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة (7) من سائر الأنواع، على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها، مما يصنعونه لأنفسهم، ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي. {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} أي: من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات. وقد استدل بهذه الآية على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة، قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم قال: قالت الملائكة: يا ربنا، إنك أعطيت بني آدم الدنيا، يأكلون منها ويتنعمون، ولم تعطنا ذلك فأعطناه في الآخرة. فقال الله: "وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن فكان" (8) . وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه، وقد روي من وجه آخر متصلا. وقال (9) الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، حدثنا إبراهيم
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٩٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تارة أخرى: يقول: مرة أخرى، والهاء التي في قوله «فيه» من ذكر البحر. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أن يعيدكم،
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦٧٠) ↗التحرير والتنوير
الشكر ضلالا أو سهوا أو غفلة لإسناده النعم إلى أسبابها المقارنة دون منعمها ولفرضه منعمين وهميين لا حظ لهم في الإنعام. وذكر فعل (كان) إشارة إلى أن الكفران مستقر في جبلة هذا الإنسان، لأن الإنسان قلما يشعر بما وراء عالم الحس فإن الحواس تشغله بمدركاتها عن التفكر فيما عدا ذلك من المعاني المستقرة في الحافظة والمستنبطة بالفكر. ولما كان الشكر على النعمة متوقفا على تذكر النعمة كانت شواغله عن تذكر النعم الماضية مغطية عليها، ولأن مدركات الحواس منها الملائم للنفس وهو الغالب، ومنها المنافر لها. فالإنسان إذا أدرك الملائم لم يشعر بقدرة عنده لكثرة تكرره حتى صار عادة فذهل عما فيه من نفع، فإذا أدرك المنافر استذكر فقدان الملائم فضج وضجر. وهو معنى قوله تعالى: وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض [فصلت: 51] . ولهذا قال الحكماء: العافية تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى فهذا الاعتبار هو الذي أشارت له هذه الآية مع التي بعدها وهي أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر [الإسراء: 68] الآية. ومن أجل ذلك كان من آداب النفس في الشريعة تذكيرها بنعم الله، قال تعالى: وذكرهم بأيام الله [إبراهيم: 5] ليقوم ذكر النعمة مقام معاهدتها. [68، 69] أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69) تفريع على جملة أعرضتم [الإسراء: 67] ، وما بينهما اعتراض، وفرع الاستفهام التوبيخي على إعراضهم عن الشكر وعودهم إلى الكفر.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٦١) ↗