سورة الإسراء · الآية ٧٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا من كرمه عليهم وإحسانه، الذي لا يقادر قدره، حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. { وحملناهم في البر } على الركاب، من الإبل، والبغال، والحمير، والمراكب البرية. { و } في { البحر } في السفن والمراكب { ورزقناهم من الطيبات } من المآكل والمشارب، والملابس، والمناكح. فما من طيب تتعلق به حوائجهم، إلا وقد أكرمهم الله به، ويسره لهم غاية التيسير. { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } بما خصهم به من المناقب، وفضلهم به من الفضائل، التي ليست لغيرهم من أنواع المخلوقات. أفلا يقومون بشكر من أولى النعم ودفع النقم، ولا تحجبهم النعم عن المنعم فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم، بل ربما استعانوا بها على معاصيه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ٧٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
بن عبد الله بن خالد المصيصي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الملائكة قالت: يا ربنا، أعطيت بني آدم الدنيا، يأكلون فيها (1) ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة. قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن، فكان" (2) . وقد روى ابن عساكر من طريق محمد بن أيوب الرازي، حدثنا الحسن بن علي بن خلف الصيدلاني، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثني عثمان بن حصن بن عبيدة بن علاق، سمعت عروة بن رويم اللخمي، حدثني أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الملائكة قالوا: ربنا، خلقتنا وخلقت بني آدم، فجعلتهم يأكلون الطعام، ويشربون الشراب، ويلبسون الثياب، ويتزوجون النساء، ويركبون الدواب، ينامون (3) ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئا، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة. فقال الله عز وجل: لا أجعل من خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له: كن، فكان" (4) . وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا عمر (5) بن سهل، حدثنا عبيد الله بن تمام، عن خالد الحذاء، عن بشر بن شغاف (6) عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم". قيل: يا رسول الله ولا الملائكة؟ قال: "ولا الملائكة، الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر" (7) . وهذا حديث غريب جدا. يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة: أنه يحاسب كل أمة بإمامهم. وقد اختلفوا في ذلك، فقال مجاهد وقتادة: أي بنبيهم. وهذا كقوله: {ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون} [يونس: 47] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٩٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الدواب والمراكب {و} [الحجر: 50] في {البحر} [البقرة: 50] في الفلك التي سخرناها لهم {ورزقناهم من الطيبات} [يونس: 93] يقول: من طيبات المطاعم والمشارب، وهي حلالها ولذيذاتها {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} [الإسراء: 70] ذكر لنا أن ذلك تمكنهم من العمل بأيديهم، وأخذ الأطعمة والأشربة بها ورفعها بها إلى أفواههم، وذلك غير متيسر لغيرهم من الخلق، كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء: 70] . الآية، قال: وفضلناهم في اليدين يأكل بهما، ويعمل بهما، وما سوى الإنس يأكل بغير ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، في قوله: {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء: 70] قال: قالت الملائكة: يا ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها، ويتنعمون، ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في PageEndV14P006 الآخرة، فقال: وعزتي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له كن فكان
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٥) ↗التحرير والتنوير
ووصف (تبيع) يناسب حال الضر الذي يلحقهم في البحر، لأن البحر لا يصل إليه رجال قبيلة القوم وأولياؤهم، فلو راموا الثأر لهم لركبوا البحر ليتابعوا آثار من ألحق بهم ضرا. فلذلك قيل هنا تبيعا وقيل في التي قبلها وكيلا كما تقدم. وضمير به عائد إما إلى الإغراق المفهوم من فيغرقكم، وإما إلى المذكور من إرسال القاصف وغيره. وقرأ الجمهور ألفاظ يخسف ويرسل ويعيدكم وفيرسل وفيغرقكم خمستها بالياء التحتية. وقرأها ابن كثير وأبو عمرو- بنون العظمة- على الالتفات من ضمير الغيبة الذي في قوله: فلما نجاكم إلى البر إلى ضمير التكلم. وقرأ أبو جعفر ورويس عن يعقوب فتغرقكم بمثناة فوقية. والضمير عائد إلى الريح على اعتبار التأنيث، أو على الرياح على قراءة أبي جعفر. [70] ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) اعتراض جاء بمناسبة العبرة والمنة على المشركين، فاعترض بذكر نعمة على جميع الناس فأشبه التذييل لأنه ذكر به ما يشمل ما تقدم. والمراد ببني آدم جميع النوع، فالأوصاف المثبتة هنا إنما هي أحكام للنوع من حيث هو كما هو شأن الأحكام التي تسند إلى الجماعات. وقد جمعت الآية خمس منن: التكريم، وتسخير المراكب في البر، وتسخير المراكب في البحر، والرزق من الطيبات، والتفضيل على كثير من المخلوقات.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٦٤) ↗