سورة الإسراء · الآية ٦٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى نعمته على العباد، بما سخر لهم من الفلك، والسفن والمراكب، وألهمهم كيفية صنعتها، وسخر لها البحر الملتطم، يحملها على ظهره، لينتفع العباد بها في الركوب، والحمل للأمتعة والتجارة. وهذا من رحمته بعباده، فإنه لم يزل بهم رحيما رؤوفا، يؤتيهم من كل ما تعلقت به إرادتهم ومنافعهم. ومن رحمته الدالة على أنه وحده المعبود دون ما سواه، أنهم إذا مسهم الضر في البحر فخافوا من الهلاك لتراكم الأمواج، ضل عنهم ما كانوا يدعون من دون الله في حال الرخاء من الأحياء والأموات، فكأنهم لم يكونوا يدعونهم في وقت من الأوقات لعلمهم أنهم ضعفاء عاجزون عن كشف الضر، وصرخوا بدعوة فاطر الأرض والسماوات الذي تستغيث به في شدائدها جميع المخلوقات، وأخلصوا له الدعاء والتضرع في هذه الحال. فلما كشف الله عنهم الضر، ونجاهم إلى البر، ونسوا ما كانوا يدعون إليه من قبل وأشركوا به، من لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع، وأعرضوا عن الإخلاص لربهم ومليكهم، وهذا من جهل الإنسان وكفره، فإن الإنسان كفور للنعم، إلا من هدى الله، فمن عليه بالعقل السليم، واهتدى إلى الصراط المستقيم، فإنه يعلم، أن الذي يكشف الشدائد، وينجي من الأهوال، هو الذي يستحق أن يفرد وتخلص له سائر الأعمال، في الشدة والرخاء، واليسر والعسر. وأما من خذل، ووكل إلى عقله الضعيف، فإنه لم يلحظ وقت الشدة إلا مصلحته الحاضرة، وإنجاءه في تلك الحال. فلما حصلت له النجاة، وزالت عنه المشقة، ظن بجهله أنه قد أعجز الله، ولم يخطر بقلبه شيء من العواقب الدنيوية، فضلا عن أمور الآخرة. ولهذا ذكرهم الله بقوله: { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا } أي: فهو على كل شيء قدير، إن شاء أنزل عليكم عذابا، من أسفل منكم بالخسف، أو من فوقكم بالحاصب، وهو العذاب الذي يحصبهم فيصبحوا هالكين، فلا تظنوا أن الهلاك لا يكون إلا في البحر. وإن ظننتم ذلك، فأنتم آمنون من { أن يعيدكم } في البحر { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا وكلما تكرر حلا وعلا لا يخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] وقال: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} [الزخرف: 71] ، وقال في الترهيب: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر} [الإسراء: 68] ، {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} [الملك: 16، 17] وقال في الزجر: {فكلا أخذنا بذنبه} [العنكبوت: 40] ، وقال في الوعظ: {أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} [الشعراء: 205 -207] إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي، اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن {يا أيها الذين آمنوا} فأوعها سمعك فإنه خير ما يأمر به أو شر ينهى عنه. ولهذا قال تعالى: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} الآية [الأعراف: 157] ، وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال وفي وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت؛ ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهدت في الدنيا ورغبت في الأخرى، وثبتت على …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
نجاكم وصرتم إلى البر كفرتم، وأشركتم في عبادته غيره {أن PageEndV14P669 يخسف بكم جانب البر} [الإسراء: 68] يعني ناحية البر {أو يرسل عليكم حاصبا} [الإسراء: 68] يقول: أو يمطركم حجارة من السماء تقتلكم، كما فعل بقوم لوط {ثم لا تجدوا لكم وكيلا} [الإسراء: 68] يقول: ثم لا تجدوا لكم ما يقوم بالمدافعة عنكم من عذابه وما يمنعكم منه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦٦٨) ↗التحرير والتنوير
الشكر ضلالا أو سهوا أو غفلة لإسناده النعم إلى أسبابها المقارنة دون منعمها ولفرضه منعمين وهميين لا حظ لهم في الإنعام. وذكر فعل (كان) إشارة إلى أن الكفران مستقر في جبلة هذا الإنسان، لأن الإنسان قلما يشعر بما وراء عالم الحس فإن الحواس تشغله بمدركاتها عن التفكر فيما عدا ذلك من المعاني المستقرة في الحافظة والمستنبطة بالفكر. ولما كان الشكر على النعمة متوقفا على تذكر النعمة كانت شواغله عن تذكر النعم الماضية مغطية عليها، ولأن مدركات الحواس منها الملائم للنفس وهو الغالب، ومنها المنافر لها. فالإنسان إذا أدرك الملائم لم يشعر بقدرة عنده لكثرة تكرره حتى صار عادة فذهل عما فيه من نفع، فإذا أدرك المنافر استذكر فقدان الملائم فضج وضجر. وهو معنى قوله تعالى: وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض [فصلت: 51] . ولهذا قال الحكماء: العافية تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى فهذا الاعتبار هو الذي أشارت له هذه الآية مع التي بعدها وهي أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر [الإسراء: 68] الآية. ومن أجل ذلك كان من آداب النفس في الشريعة تذكيرها بنعم الله، قال تعالى: وذكرهم بأيام الله [إبراهيم: 5] ليقوم ذكر النعمة مقام معاهدتها. [68، 69] أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69) تفريع على جملة أعرضتم [الإسراء: 67] ، وما بينهما اعتراض، وفرع الاستفهام التوبيخي على إعراضهم عن الشكر وعودهم إلى الكفر.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٦١) ↗