البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الإسراء · الآية ٦٧

﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يذكر تعالى نعمته على العباد، بما سخر لهم من الفلك، والسفن والمراكب، وألهمهم كيفية صنعتها، وسخر لها البحر الملتطم، يحملها على ظهره، لينتفع العباد بها في الركوب، والحمل للأمتعة والتجارة. وهذا من رحمته بعباده، فإنه لم يزل بهم رحيما رؤوفا، يؤتيهم من كل ما تعلقت به إرادتهم ومنافعهم. ومن رحمته الدالة على أنه وحده المعبود دون ما سواه، أنهم إذا مسهم الضر في البحر فخافوا من الهلاك لتراكم الأمواج، ضل عنهم ما كانوا يدعون من دون الله في حال الرخاء من الأحياء والأموات، فكأنهم لم يكونوا يدعونهم في وقت من الأوقات لعلمهم أنهم ضعفاء عاجزون عن كشف الضر، وصرخوا بدعوة فاطر الأرض والسماوات الذي تستغيث به في شدائدها جميع المخلوقات، وأخلصوا له الدعاء والتضرع في هذه الحال. فلما كشف الله عنهم الضر، ونجاهم إلى البر، ونسوا ما كانوا يدعون إليه من قبل وأشركوا به، من لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع، وأعرضوا عن الإخلاص لربهم ومليكهم، وهذا من جهل الإنسان وكفره، فإن الإنسان كفور للنعم، إلا من هدى الله، فمن عليه بالعقل السليم، واهتدى إلى الصراط المستقيم، فإنه يعلم، أن الذي يكشف الشدائد، وينجي من الأهوال، هو الذي يستحق أن يفرد وتخلص له سائر الأعمال، في الشدة والرخاء، واليسر والعسر. وأما من خذل، ووكل إلى عقله الضعيف، فإنه لم يلحظ وقت الشدة إلا مصلحته الحاضرة، وإنجاءه في تلك الحال. فلما حصلت له النجاة، وزالت عنه المشقة، ظن بجهله أنه قد أعجز الله، ولم يخطر بقلبه شيء من العواقب الدنيوية، فضلا عن أمور الآخرة. ولهذا ذكرهم الله بقوله: { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا } أي: فهو على كل شيء قدير، إن شاء أنزل عليكم عذابا، من أسفل منكم بالخسف، أو من فوقكم بالحاصب، وهو العذاب الذي يحصبهم فيصبحوا هالكين، فلا تظنوا أن الهلاك لا يكون إلا في البحر. وإن ظننتم ذلك، فأنتم آمنون من { أن يعيدكم } في البحر { …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يخبر تعالى أنه إذا مس الناس ضر، دعوه منيبين إليه، مخلصين له الدين؛ ولهذا قال: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} أي: ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله، كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة، فذهب هاربا، فركب في البحر ليدخل الحبشة، فجاءتهم (1) ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعو الله وحده. فقال عكرمة في نفسه: والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك علي عهد، لئن أخرجتني منه لأذهبن فأضعن (2) يدي في يديه (3) ، فلأجدنه رءوفا رحيما. فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن (4) إسلامه، رضي الله عنه وأرضاه. وقوله: {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم} أي: نسيتم ما عرفتم من توحيده في البحر، وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له. {وكان الإنسان كفورا} أي: سجيته هذا، ينسى النعم ويجحدها، إلا من عصم الله. يقول تعالى: أفحسبتم أن نخرجكم (5) إلى البر أمنتم من انتقامه وعذابه! {أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا} ، وهو: المطر الذي فيه حجارة. قاله مجاهد، وغير واحد، كما قال تعالى: {إنا أرسلنا عليهم (6) حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر} [القمر: 34] وقد قال في الآية الأخرى: {وأمطرنا عليها حجارة من سجيل} (7) [هود: 82] وقال: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} [الملك: 16، 17] . وقوله: {ثم لا تجدوا لكم وكيلا} أي: ناصرا يرد ذلك عنكم، وينقذكم منه [والله سبحانه وتعالى أعلم] (8) . يقول تعالى: {أم أمنتم} أيها المعرضون عنا بعدما اعترفوا بتوحيدنا في البحر، وخرجوا إلى البر (9) {أن يعيدكم} في البحر مرة ثانية {فيرسل عليكم قاصفا من الريح} أي: يقصف الصواري

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٩٦) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

فلم يغثكم، ولم تجدوا غير الله مغيثا يغيثكم دعوتموه، فلما دعوتموه وأغاثكم، وأجاب دعاءكم ونجاكم من هول ما كنتم فيه في البحر أعرضتم عما دعاكم إليه ربكم من خلع الأنداد والبراءة من الآلهة، وإفراده بالألوهة كفرا منكم بنعمته {وكان الإنسان كفورا} [الإسراء: 67] يقول: وكان الإنسان إذا جحد لنعم ربه

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦٦٨) ↗

التحرير والتنوير

الناس كلهم مناسب لعموم الدعوة، لأن أهل مكة ما كانوا ينتفعون بركوب البحر وإنما ينتفع بذلك عرب اليمن وعرب العراق والناس غيرهم. وجملة إنه كان بكم رحيما تعليل وتنبيه لموقع الامتنان ليرفضوا عبادة غيره مما لا أثر له في هذه المنة. [67] وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) بعد أن ألزمهم الحجة على حق إلهية الله تعالى بما هو من خصائص صنعه باعترافهم، أعقبه بدليل آخر من أحوالهم المتضمنة إقرارهم بانفراده بالتصرف ثم بالتعجيب من مناقضة أنفسهم عند زوال اضطرارهم. فجملة وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه خبر مستعمل في التقرير وإلزام الحجة إذ لا يخبر أحد عن فعله إخبارا حقيقيا. وجملة فلما نجاكم إلى البر أعرضتم خبر مستعمل في التعجيب والتوبيخ. وضر البحر: هو الإشراف على الغرق لأنه يزعج النفوس خوفا، فهو ضر لها. وضل بضاد ساقطة فعل من الضلال، وهو سلوك طريق غير موصلة للمقصود خطأ. والعدول إلى الموصولية لما تؤذن به الصلة من عمل اللسان ليتأتى الإيجاز، أي من يتكرر دعاؤكم إياهم، كما يدل عليه المضارع. فالمعنى غاب وانصرف ذكر الذين عادتكم دعاؤهم عن ألسنتكم فلا تدعونهم، وذلك بقرينة ذكر الدعاء هنا الذي متعلقه اللسان، فتعين أن ضلالهم هو ضلال ذكر أسمائهم، وهذا إيجاز بديع.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٥٩) ↗