سورة الإسراء · الآية ٦٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى نعمته على العباد، بما سخر لهم من الفلك، والسفن والمراكب، وألهمهم كيفية صنعتها، وسخر لها البحر الملتطم، يحملها على ظهره، لينتفع العباد بها في الركوب، والحمل للأمتعة والتجارة. وهذا من رحمته بعباده، فإنه لم يزل بهم رحيما رؤوفا، يؤتيهم من كل ما تعلقت به إرادتهم ومنافعهم. ومن رحمته الدالة على أنه وحده المعبود دون ما سواه، أنهم إذا مسهم الضر في البحر فخافوا من الهلاك لتراكم الأمواج، ضل عنهم ما كانوا يدعون من دون الله في حال الرخاء من الأحياء والأموات، فكأنهم لم يكونوا يدعونهم في وقت من الأوقات لعلمهم أنهم ضعفاء عاجزون عن كشف الضر، وصرخوا بدعوة فاطر الأرض والسماوات الذي تستغيث به في شدائدها جميع المخلوقات، وأخلصوا له الدعاء والتضرع في هذه الحال. فلما كشف الله عنهم الضر، ونجاهم إلى البر، ونسوا ما كانوا يدعون إليه من قبل وأشركوا به، من لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع، وأعرضوا عن الإخلاص لربهم ومليكهم، وهذا من جهل الإنسان وكفره، فإن الإنسان كفور للنعم، إلا من هدى الله، فمن عليه بالعقل السليم، واهتدى إلى الصراط المستقيم، فإنه يعلم، أن الذي يكشف الشدائد، وينجي من الأهوال، هو الذي يستحق أن يفرد وتخلص له سائر الأعمال، في الشدة والرخاء، واليسر والعسر. وأما من خذل، ووكل إلى عقله الضعيف، فإنه لم يلحظ وقت الشدة إلا مصلحته الحاضرة، وإنجاءه في تلك الحال. فلما حصلت له النجاة، وزالت عنه المشقة، ظن بجهله أنه قد أعجز الله، ولم يخطر بقلبه شيء من العواقب الدنيوية، فضلا عن أمور الآخرة. ولهذا ذكرهم الله بقوله: { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا } أي: فهو على كل شيء قدير، إن شاء أنزل عليكم عذابا، من أسفل منكم بالخسف، أو من فوقكم بالحاصب، وهو العذاب الذي يحصبهم فيصبحوا هالكين، فلا تظنوا أن الهلاك لا يكون إلا في البحر. وإن ظننتم ذلك، فأنتم آمنون من { أن يعيدكم } في البحر { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم} لما قال: {ثم أنتم تشركون} عقبه بقوله: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا [من فوقكم أو من تحت أرجلكم] } (1) أي: بعد إنجائه إياكم، كما قال في سورة سبحان: {ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما * وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا * أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا * أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا} [الإسراء: 66 -69] . قال ابن أبي حاتم: ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا هارون الأعور، عن جعفر بن سليمان، عن الحسن في قوله: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم} قال: هذه للمشركين. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد [في قوله] (2) {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم} لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فعفا عنهم. ونذكر هنا الأحاديث الواردة في ذلك والآثار، وبالله المستعان، وعليه التكلان، وبه الثقة. قال البخاري، رحمه الله، في قوله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون} يلبسكم: يخلطكم، من الالتباس، يلبسوا: يخلطوا. شيعا: فرقا. حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بوجهك". {أو من تحت أرجلكم} قال: "أعوذ بوجهك". {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذه أهون -أو قال: هذا أيسر". وهكذا رواه أيضا في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦٦٦) ↗التحرير والتنوير
رسوله، واعتبارهم أنفسهم عبادا لله متطلبين شكر نعمته، فشتان بينهم وبين أهل الشرك وإن سخفت في شأنهم عقيدة أهل الاعتزال. وقد تقدم معنى هذا عند قوله تعالى: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون في سورة النحل [99- 100] . فالمؤمن لا يتولى الشيطان أبدا ولكنه قد ينخدع لوسواسه، وهو مع ذلك يلعنه فيما أوقعه فيه من الكبائر، وبمقدار ذلك الانخداع يقترب من سلطانه. وهذا معنى قول النبيء صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: «إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا ولكنه قد رضي بما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم» . فجملة وكفى بربك وكيلا يجوز أن تكون تكملة لتوبيخ الشيطان، فيكون كاف الخطاب ضمير الشيطان تسجيلا عليه بأنه عبد الله، ويجوز أن تكون معترضة في آخر الكلام فتكون كاف الخطاب ضمير النبيء صلى الله عليه وسلم تقريبا للنبيء بالإضافة إلى ضمير الله. ومآل المعنى على الوجهين واحد وإن اختلف الاعتبار. [66] 66] ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما (66) استئناف ابتدائي وهو عود إلى تقرير أدلة الانفراد بالتصريف في العالم المشوبة بما فيها من نعم على الخلق، والدالة بذلك الشوب على إتقان الصنع ومحكم التدبير لنظام هذا العالم وسيادة الإنسان فيه وعليه. ويشبه أن يكون هذا الكلام عودا إلى قوله: ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير [الإسراء: 11]
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٥٧) ↗