سورة الإسراء · الآية ٦٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ينبه تبارك وتعالى عباده على شدة عداوة الشيطان، وحرصه على إضلالهم، وأنه لما خلق الله آدم، استكبر عن السجود له، و { قال } متكبرا: { أأسجد لمن خلقت طينا } أي: من طين، وبزعمه أنه خير منه، لأنه خلق من نار. وقد تقدم فساد هذا القياس الباطل من عدة أوجه. فلما تبين لإبليس تفضيل الله لآدم { قال } مخاطبا لله: { أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته } أي: لأستأصلنهم بالإضلال، ولأغوينهم { إلا قليلا } عرف الخبيث، أنه لا بد أن يكون منهم من يعاديه ويعصيه. فقال الله له: { اذهب فمن تبعك منهم } واختارك على ربه ووليه الحق، { فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا } أي: مدخرا لكم، موفرا جزاء أعمالكم. ثم أمره الله أن يفعل كل ما يقدر عليه من إضلالهم، فقال: { واستفزز من استطعت منهم بصوتك } ويدخل في هذا كل داع إلى المعصية. { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله، فهو من خيل الشيطان ورجله. والمقصود أن الله ابتلى العباد بهذا العدو المبين، الداعي لهم إلى معصية الله، بأقواله وأفعاله. { وشاركهم في الأموال والأولاد } وذلك شامل لكل معصية تعلقت بأموالهم وأولادهم، من منع الزكاة والكفارات والحقوق الواجبة، وعدم تأديب الأولاد وتربيتهم على الخير وترك الشر، وأخذ الأموال بغير حقها، أو وضعها بغير حقها، أو استعمال المكاسب الردية. بل ذكر كثير من المفسرين، أنه يدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد، ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع، وأنه إذا لم يسم الله في ذلك، شارك فيه الشيطان، كما ورد فيه الحديث. { وعدهم } الوعود المزخرفة التي لا حقيقة لها، ولهذا قال: { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } أي: باطلا مضمحلا، كأن يزين لهم المعاصي والعقائد الفاسدة، ويعدهم عليها الأجر، لأنهم يظنون أنهم على الحق، وقال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عدو الله: أرأيت الذي تعوذ منه؟ فهو هو. فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم] (1) قال: فردد (2) ذلك ثلاث مرات، فقال عدو الله: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟ فقال النبي: بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟ مرتين، فأخذ كل [واحد] (3) منهما على صاحبه، فقال النبي: إن الله تعالى يقول: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} قال عدو الله: قد سمعت هذا قبل أن تولد. قال النبي: ويقول الله: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} [الأعراف: 200] وإني (4) والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك. قال عدو الله: صدقت، بهذا تنجو مني. فقال النبي: "أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم"؟ قال: آخذه عند الغضب والهوى (5) وقوله: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} أي: جهنم موعد جميع من اتبع إبليس، كما قال عن القرآن: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب: {لكل باب منهم جزء مقسوم} أي: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه، لا محيد لهم عنه -أجارنا الله منها- وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر فعله. قال إسماعيل بن علية وشعبة كلاهما، عن أبي هارون الغنوي، عن حطان بن عبد الله أنه قال: سمعت علي بن أبي طالب وهو يخطب قال: إن أبواب جهنم هكذا -قال أبو هارون: أطباقا بعضها فوق بعض (6) وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم (7) عن علي، رضي الله عنه، قال: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تملأ كلها (8) وقال عكرمة: {سبعة أبواب} سبعة أطباق. وقال ابن جريج: {سبعة أبواب} أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم سعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وروى (9) الضحاك عن ابن عباس، نحوه. وكذا [روي] عن الأعمش بنحوه أيضا. وقال قتادة: {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} وهي والله منازل بأعمالهم. رواهن ابن جرير. وقال جويبر، عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
مستقيم. فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إلي فأجازي كلا بأعمالهم، كما قال الله تعالى ذكره: {إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: 14] ، وذلك نظير قول القائل لمن يتوعده ويتهدده: طريقك علي، وأنا على طريقك، فكذلك قوله: {هذا صراط} [آل عمران: 51] معناه: هذا طريق علي، وهذا طريق إلي. وكذلك تأول من قرأ ذلك كذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦٩) ↗التحرير والتنوير
65] إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) وجملة إن عبادي ليس لك عليهم سلطان من تمام الكلام المحكي ب قال اذهب [الإسراء: 63] . وهي جملة مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن قوله: فمن تبعك منهم [الإسراء: 63] وقوله: واستفزز من استطعت منهم [الإسراء: 64] ، فإن مفهوم فمن تبعك ومن استطعت [الإسراء: 64] ذرية من قبيل مفهوم الصفة فيفيد أن فريقا من درية آدم لا يتبع إبليس فلا يحتنكه. وهذا المفهوم يفيد أن الله قد عصم أو حفظ هذا الفريق من الشيطان، وذلك يثير سؤالا في خاطر إبليس ليعلم الحائل بينه وبين ذلك الفريق بعد أن علم في نفسه علما إجماليا أن فريقا لا يحتنكه لقوله: لأحتنكن ذريته إلا قليلا [الإسراء: 62] . فوقعت الإشارة إلى تعيين هذا الفريق بالوصف وبالسبب. فأما الوصف ففي قوله: عبادي المفيد أنهم تمحضوا لعبودية الله تعالى كما تدل عليه الإضافة، فعلم أن من عبدوا الأصنام والجن وأعرضوا عن عبودية الله تعالى ليسوا من أولئك. وأما السبب ففي قوله: وكفى بربك وكيلا المفيد أنهم توكلوا على الله واستعاذوا به من الشيطان، فكان خير وكيل لهم إذ حاطهم من الشيطان وحفظهم منه. وفي هذا التوكل مراتب من الانفلات عن احتناك الشيطان، وهي مراتب المؤمنين من الأخذ بطاعة الله كما هو الحق عند أهل السنة. فالسلطان المنفي في قوله: ليس لك عليهم سلطان هو الحكم المستمر بحيث يكونون رعيته ومن جنده. وأما غيرهم فقد يستهويهم الشيطان ولكنهم لا يلبثون أن يثوبوا إلى الصالحات، وكفاك من ذلك دوام توحيدهم لله، وتصديقهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٥٦) ↗