سورة الإسراء · الآية ٦٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ينبه تبارك وتعالى عباده على شدة عداوة الشيطان، وحرصه على إضلالهم، وأنه لما خلق الله آدم، استكبر عن السجود له، و { قال } متكبرا: { أأسجد لمن خلقت طينا } أي: من طين، وبزعمه أنه خير منه، لأنه خلق من نار. وقد تقدم فساد هذا القياس الباطل من عدة أوجه. فلما تبين لإبليس تفضيل الله لآدم { قال } مخاطبا لله: { أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته } أي: لأستأصلنهم بالإضلال، ولأغوينهم { إلا قليلا } عرف الخبيث، أنه لا بد أن يكون منهم من يعاديه ويعصيه. فقال الله له: { اذهب فمن تبعك منهم } واختارك على ربه ووليه الحق، { فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا } أي: مدخرا لكم، موفرا جزاء أعمالكم. ثم أمره الله أن يفعل كل ما يقدر عليه من إضلالهم، فقال: { واستفزز من استطعت منهم بصوتك } ويدخل في هذا كل داع إلى المعصية. { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله، فهو من خيل الشيطان ورجله. والمقصود أن الله ابتلى العباد بهذا العدو المبين، الداعي لهم إلى معصية الله، بأقواله وأفعاله. { وشاركهم في الأموال والأولاد } وذلك شامل لكل معصية تعلقت بأموالهم وأولادهم، من منع الزكاة والكفارات والحقوق الواجبة، وعدم تأديب الأولاد وتربيتهم على الخير وترك الشر، وأخذ الأموال بغير حقها، أو وضعها بغير حقها، أو استعمال المكاسب الردية. بل ذكر كثير من المفسرين، أنه يدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد، ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع، وأنه إذا لم يسم الله في ذلك، شارك فيه الشيطان، كما ورد فيه الحديث. { وعدهم } الوعود المزخرفة التي لا حقيقة لها، ولهذا قال: { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } أي: باطلا مضمحلا، كأن يزين لهم المعاصي والعقائد الفاسدة، ويعدهم عليها الأجر، لأنهم يظنون أنهم على الحق، وقال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} يقول: واحمل عليهم بجنودك خيالتهم ورجلتهم (1) ؛ فإن "الرجل" جمع "راجل"، كما أن "الركب" جمع "راكب" و"صحب" جمع "صاحب". ومعناه: تسلط عليهم بكل ما تقدرعليه. وهذا أمر قدري، كما قال تعالى: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} [مريم: 83] أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا، وتسوقهم إليها (2) سوقا. وقال ابن عباس، ومجاهد في قوله: {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} قال: كل راكب وماش في معصية الله. وقال قتادة: إن له خيلا ورجالا من الجن والإنس، وهم الذين يطيعونه. وتقول العرب: "أجلب فلان على فلان": إذا صاح عليه. ومنه: "نهى في المسابقة عن الجلب والجنب" ومنه اشتقاق "الجلبة"، وهي ارتفاع الأصوات. وقوله: {وشاركهم في الأموال والأولاد} قال ابن عباس ومجاهد: هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله. وقال عطاء: هو الربا. وقال الحسن: [هو] (3) جمعها من خبيث، وإنفاقها في حرام. وكذا قال قتادة. وقال العوفي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما: أما مشاركته إياهم في أموالهم، فهو ما حرموه من أنعامهم، يعني: من البحائر والسوائب ونحوها. وكذا قال الضحاك وقتادة. [ثم] (4) قال ابن جرير: والأولى أن يقال: إن الآية تعم ذلك كله. وقوله: {والأولاد} قال العوفي عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: يعني أولاد الزنا. وقال علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفها بغير علم. وقال قتادة، عن الحسن البصري: قد والله شاركهم في الأموال والأولاد مجسوا وهودوا ونصروا وصبغوا غير صبغة الإسلام، وجزؤوا من أموالهم جزءا للشيطان (5) وكذا قال قتادة سواء. وقال أبو صالح، عن ابن عباس: هو تسميتهم أولادهم "عبد الحارث" و"عبد شمس" و"عبد فلان". قال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: كل مولود ولدته أنثى، عصى الله فيه، بتسميته ما (6) يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦٥٦) ↗التحرير والتنوير
قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (63) واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) جواب من الله تعالى عن سؤال إبليس التأخير إلى يوم القيامة، ولذلك فصلت جملة قال على طريقة المحاورات التي ذكرناها عند قوله تعالى: قالوا أتجعل فيها [البقرة: 30] . والذهاب ليس مرادا به الانصراف بل هو مستعمل في الاستمرار على العمل، أي امض لشأنك الذي نويته. وصيغة الأمر مستعملة في التسوية وهو كقول النبهاني من شعراء الحماسة: فإن كنت سيدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخل وقوله: فمن تبعك منهم تفريع على التسوية والزجر كقوله تعالى: قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس [طه: 97] . والجزاء: مصدر جزاء على عمل، أي أعطاه عن عمله عوضا. وهو هنا بمعنى اسم المفعول كالخلق بمعنى المخلوق. والموفور: اسم مفعول من وفره إذا كثره. وأعيد جزاء للتأكيد، اهتماما وفصاحة، كقوله: إنا أنزلناه قرآنا عربيا [يوسف: 2] ، ولأنه أحسن في جريان وصف الموفور على موصوف متصل به دون فصل. وأصل الكلام: فإن جهنم جزاؤكم موفورا. فانتصاب جزاء على الحال الموطئة، وموفورا صفة له، وهو الحال في المعنى، أي جزاء غير منقوص.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٥٢) ↗