سورة الإسراء · الآية ٥٤
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا من لطفه بعباده، حيث أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال، الموجبة للسعادة في الدنيا والآخرة، فقال: { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } وهذا أمر بكل كلام يقرب إلى الله، من قراءة، وذكر، وعلم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وكلام حسن لطيف مع الخلق على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، وأنه إذا دار الأمر بين أمرين حسنين، فإنه يؤمر بإيثار أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما. والقول الحسن داع لكل خلق جميل، وعمل صالح، فإن من ملك لسانه، ملك جميع أمره. وقوله: { أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم } أي: يسعى بين العباد بما يفسد عليهم دينهم ودنياهم. فدواء هذا، أن لا يطيعوه في الأقوال غير الحسنة التي يدعوهم إليها، وأن يلينوا فيما بينهم لينقمع الشيطان الذي ينزغ بينهم، فإنه عدوهم الحقيقي الذي ينبغي لهم أن يحاربوه، فإنه يدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير [فاطر: 6]. وأما إخوانهم، فإنهم وإن نزغ الشيطان فيما بينهم، وسعى في العداوة، فإن الحزم كل الحزم، السعي في ضد عدوهم، وأن يقمعوا أنفسهم الأمارة بالسوء، التي يدخل الشيطان من قبلها، فبذلك يطيعون ربهم، ويستقيم أمرهم، ويهدون لرشدهم. { ربكم أعلم بكم } من أنفسكم، فلذلك لا يريد لكم إلا ما هو الخير، ولا يأمركم إلا بما فيه مصلحة لكم، وقد تريدون شيئا والخير في عكسه. { إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم } فيوفق من شاء لأسباب الرحمة، ويخذل من شاء، فيضل عنها، فيستحق العذاب. { ومآ أرسلناك عليهم وكيلا } تدبر أمرهم، وتقوم بمجازاتهم، وإنما الله هو الوكيل، وأنت مبلغ هاد إلى صراط مستقيم. { وربك أعلم بمن في السموت والأرض } من جميع أصناف الخلائق، فيعطي كلا منهم ما يستحقه تقتضيه حكمته، ويفضل بعضهم على بعض في جميع الخصال، الحسية والمعنوية، كما فضل بعض النبيين المشتركين بوحيه على بعض بالفضائل والخصائص الراجعة إلى ما من به عليهم، من الأوصاف الممدوحة، والأخلاق المرضية، والأعمال الصالحة، وكثرة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} [الأحزاب: 7] ، وفي الشورى [في قوله] (1) : {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13] . ولا خلاف أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى على المشهور، وقد بسطنا هذا بدلائله في غير هذا الموضع، والله الموفق. وقوله: {وآتينا داود زبورا} تنبيه على فضله وشرفه. قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته لتسرج، فكان يقرأ قبل أن يفرغ". يعني القرآن (2) . يقول تعالى: {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله: {ادعوا الذين زعمتم من دونه} من الأصنام والأنداد، فارغبوا إليهم، فإنهم " لا يملكون كشف الضر عنكم" أي: بالكلية، {ولا تحويلا} أي: أن يحولوه إلى غيركم. والمعنى: أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} قال: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا، وهم الذين يدعون، يعني الملائكة والمسيح وعزيرا. وقوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} . روى البخاري، من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} قال: ناس من الجن، كانوا يعبدون، فأسلموا. وفي رواية قال: كان ناس من الإنس، يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم (3) . وقال قتادة، عن معبد (4) بن عبد الله الزماني (5) ، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حتى تنيبوا عما أنتم عليه من الكفر به وباليوم الآخر {وإن يشأ يعذبكم} بأن يخذلكم عن الإيمان، فتموتوا على شرككم، فيعذبكم يوم القيامة بكفركم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦٢٤) ↗التحرير والتنوير
ولما كان ضمير بينهم عائدا إلى عبادي كان المعنى التحذير من إلقاء الشيطان العداوة بين المؤمنين تحقيقا لمقصد الشريعة من بث الأخوة الإسلامية. روى الواحدي: أن عمر بن الخطاب شتمه أعرابي من المشركين فشتمه عمر وهم بقتله فكاد أن يثير فتنة فنزلت هذه الآية. وأيا ما كان سبب النزول فهو لا يقيد إطلاق صيغة الأمر للمسلمين بأن يقولوا التي أحسن في كل حال. وجملة إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا تعليل لجملة ينزغ بينهم، وعلة العلة علة. وذكر (كان) للدلالة على أن صفة العداوة أمر مستقر في خلقته قد جبل عليه. وعداوته للإنسان متقررة من وقت نشأة آدم- عليه الصلاة والسلام- وأنه يسول للمسلمين أن يغلظوا على الكفار بوهمهم أن ذلك نصر للدين ليوقعهم في الفتنة، فإن أعظم كيد الشيطان أن يوقع المؤمن في الشر وهو يوهمه أنه يعمل خيرا. [54] 54] ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا (54) هذا الكلام متصل بقوله: نحن أعلم بما يستمعون به إلى قوله: فلا يستطيعون سبيلا [الإسراء: 47، 48] . فإن ذلك ينطوي على ما هو شأن نجواهم من التصميم على العناد والإصرار على الكفر. وذلك يسوء النبيء صلى الله عليه وسلم ويحزنه أن لا يهتدوا، فوجه هذا الكلام إليه تسلية له. ويدل لذلك تعقيبه بقوله: وما أرسلناك عليهم وكيلا.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٣٣) ↗