سورة الإسراء · الآية ٥٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا من لطفه بعباده، حيث أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال، الموجبة للسعادة في الدنيا والآخرة، فقال: { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } وهذا أمر بكل كلام يقرب إلى الله، من قراءة، وذكر، وعلم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وكلام حسن لطيف مع الخلق على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، وأنه إذا دار الأمر بين أمرين حسنين، فإنه يؤمر بإيثار أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما. والقول الحسن داع لكل خلق جميل، وعمل صالح، فإن من ملك لسانه، ملك جميع أمره. وقوله: { أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم } أي: يسعى بين العباد بما يفسد عليهم دينهم ودنياهم. فدواء هذا، أن لا يطيعوه في الأقوال غير الحسنة التي يدعوهم إليها، وأن يلينوا فيما بينهم لينقمع الشيطان الذي ينزغ بينهم، فإنه عدوهم الحقيقي الذي ينبغي لهم أن يحاربوه، فإنه يدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير [فاطر: 6]. وأما إخوانهم، فإنهم وإن نزغ الشيطان فيما بينهم، وسعى في العداوة، فإن الحزم كل الحزم، السعي في ضد عدوهم، وأن يقمعوا أنفسهم الأمارة بالسوء، التي يدخل الشيطان من قبلها، فبذلك يطيعون ربهم، ويستقيم أمرهم، ويهدون لرشدهم. { ربكم أعلم بكم } من أنفسكم، فلذلك لا يريد لكم إلا ما هو الخير، ولا يأمركم إلا بما فيه مصلحة لكم، وقد تريدون شيئا والخير في عكسه. { إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم } فيوفق من شاء لأسباب الرحمة، ويخذل من شاء، فيضل عنها، فيستحق العذاب. { ومآ أرسلناك عليهم وكيلا } تدبر أمرهم، وتقوم بمجازاتهم، وإنما الله هو الوكيل، وأنت مبلغ هاد إلى صراط مستقيم. { وربك أعلم بمن في السموت والأرض } من جميع أصناف الخلائق، فيعطي كلا منهم ما يستحقه تقتضيه حكمته، ويفضل بعضهم على بعض في جميع الخصال، الحسية والمعنوية، كما فضل بعض النبيين المشتركين بوحيه على بعض بالفضائل والخصائص الراجعة إلى ما من به عليهم، من الأوصاف الممدوحة، والأخلاق المرضية، والأعمال الصالحة، وكثرة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} [الأحزاب: 7] ، وفي الشورى [في قوله] (1) : {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13] . ولا خلاف أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى على المشهور، وقد بسطنا هذا بدلائله في غير هذا الموضع، والله الموفق. وقوله: {وآتينا داود زبورا} تنبيه على فضله وشرفه. قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته لتسرج، فكان يقرأ قبل أن يفرغ". يعني القرآن (2) . يقول تعالى: {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله: {ادعوا الذين زعمتم من دونه} من الأصنام والأنداد، فارغبوا إليهم، فإنهم " لا يملكون كشف الضر عنكم" أي: بالكلية، {ولا تحويلا} أي: أن يحولوه إلى غيركم. والمعنى: أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} قال: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا، وهم الذين يدعون، يعني الملائكة والمسيح وعزيرا. وقوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} . روى البخاري، من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} قال: ناس من الجن، كانوا يعبدون، فأسلموا. وفي رواية قال: كان ناس من الإنس، يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم (3) . وقال قتادة، عن معبد (4) بن عبد الله الزماني (5) ، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
وذكر شرط المشيئة هنا فائدته التعليم بأنه تعالى لا مكره له، فجمعت الآية الإشارة إلى صفة العلم والحكمة وإلى صفة الإرادة والاختيار. وإعادة شرط المشيئة في الجملة المعطوفة لتأكيد تسلط المشيئة على الحالتين. وجملة وما أرسلناك عليهم وكيلا زيادة لبيان أن الهداية والضلال من جعل الله تعالى، وأن النبيء غير مسؤول عن استمرار من استمر في الضلالة. إزالة للحرج عنه فيما يجده من عدم اهتداء من يدعوهم، أي ما أرسلناك لتجبرهم على الإيمان وإنما أرسلناك داعيا. والوكيل على الشيء: هو المسئول به. والمعنى: أرسلناك نذيرا وداعيا لهم وما أرسلناك عليهم وكيلا، فيفيد معنى القصر لأن كونه داعيا ونذيرا معلوم بالمشاهدة فإذا نفي عنه أن يكون وكيلا وملجئا آل إلى معنى: ما أنت إلا نذير. وضمير عليهم عائد إلى المشركين، كما عادت إليهم ضمائر على قلوبهم [الإسراء: 46] وما بعده من الضمائر اللائقة بهم. وعليهم متعلق ب وكيلا. وقدم على متعلقه للاهتمام وللرعاية على الفاصلة. [55] 55] وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا (55) تماثل القرينتين في فاصلتي هذه الآية من كلمة والأرض وكلمة على بعض، يدل دلالة واضحة على أنهما كلام مرتبط بعضه ببعض، وأن ليس قوله: وربك أعلم بمن في السماوات والأرض تكملة لآية ربكم أعلم بكم [الإسراء: 54] الآية.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٣٥) ↗