سورة الإسراء · الآية ٤٣
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه صرف لعباده في هذا القرآن، أي: نوع الأحكام ووضحها، وأكثر من الأدلة والبراهين على ما دعا إليه، ووعظ وذكر، لأجل أن يتذكروا ما ينفعهم فيسلكوه، وما يضرهم فيدعوه. ولكن أبى أكثر الناس إلا نفورا عن آيات الله، لبغضهم للحق، ومحبتهم ما كانوا عليه من الباطل، حتى تعصبوا لباطلهم، ولم يعيروا آيات الله لهم سمعا، ولا ألقوا لها بالا. ومن أعظم ما صرف فيه الآيات والأدلة، التوحيد الذي هو أصل الأصول، فأمر به، ونهى عن ضده، وأقام عليه من الحجج العقلية والنقلية شيئا كثيرا، بحيث من أصغى إلى بعضها، لا تدع في قلبه شكا ولا ريبا. ومن الأدلة على ذلك هذا الدليل العقلي الذي ذكره هنا، فقال: { قل } للمشركين الذين يجعلون مع الله إلها آخر: { لو كان معه آلهة كما يقولون } أي: على موجب زعمهم وافترائهم، { إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } أي: لاتخذوا سبيلا إلى الله بعبادته والإنابة إليه، والتقرب وابتغاء الوسيلة، فكيف يجعل العبد الفقير الذي يرى شدة افتقاره لعبودية ربه، إلها مع الله؟! هل هذا إلا من أظلم الظلم وأسفه السفه؟!! فعلى هذا المعنى، تكون هذه الآية كقوله تعالى: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب [الإسراء: 57]. وكقوله تعالى: ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من أوليآء [الفرقان: 17-18]. ويحتمل أن المعنى في قوله: { قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } أي: لطلبوا السبيل، وسعوا في مغالبة الله تعالى، فإما أن يعلوا عليه فيكون من علا وقهر هو الرب الإله، فأما وقد علموا أنهم يقرون أن آلهتهم التي يعبدون من دون الله مقهورة مغلوبة، ليس لها من الأمر شيء، فلم اتخذوها وهي بهذه الحال؟ فيكون هذا كقوله تعالى: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال إبراهيم النخعي: {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه} من الحور العين. وقال عكرمة والسدي: المراد باللهو هاهنا: الولد. وهذا والذي قبله متلازمان، وهو كقوله تعالى: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه} [الزمر:4] ، فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقا، لا سيما عما يقولون من الإفك والباطل، من اتخاذ عيسى، أو العزير (1) أو الملائكة، {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} [الإسراء:43] . وقوله: {إن كنا فاعلين} قال قتادة، والسدي، وإبراهيم النخعي، ومغيرة بن مقسم، أي: ما كنا فاعلين. وقال مجاهد: كل شيء في القرآن "إن" فهو إنكار. وقوله: {بل نقذف بالحق على الباطل} أي: نبين الحق فيدحض الباطل؛ ولهذا قال: {فيدمغه فإذا هو زاهق} أي: ذاهب مضمحل، {ولكم الويل} أي: أيها القاتلون: لله ولد، {مما تصفون} أي: تقولون وتفترون. ثم أخبر تعالى عن عبودية الملائكة له، ودأبهم في طاعته ليلا ونهارا، فقال: {وله من في السماوات والأرض ومن عنده} يعني: الملائكة، {لا يستكبرون عن عبادته} أي: لا يستنكفون عنها، كما قال: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} [النساء:172] . وقوله: {ولا يستحسرون} أي: لا يتعبون ولا يملون. {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} فهم دائبون في العمل ليلا ونهارا، مطيعون قصدا وعملا قادرون عليه، كما قال تعالى: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم:6] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي، أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، إذ قال لهم: "هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
المضيفون إليه البنات، فقال: تنزيها لله وعلوا له عما تقولون أيها القوم، من الفرية والكذب، فإن ما تضيفون إليه من هذه الأمور ليس من صفته، ولا ينبغي أن يكون له صفة. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} [الإسراء: 43] يسبح نفسه إذ قيل عليه البهتان وقال تعالى: {عما يقولون علوا} [الإسراء: 43] ولم يقل: تعاليا، كما قال: {وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: 8] كما قال الشاعر: [البحر الكامل] أنت الفداء لكعبة هدمتها %~% ونقرتها بيديك كل منقر منع الحمام مقيله من سقفها %~% ومن الحطيم فطار كل مطير وقوله: {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن} يقول: تنزه الله أيها المشركون عما وصفتموه به إعظاما له وإجلالا، السماوات السبع والأرض ومن فيهن من المؤمنين به من الملائكة والإنس والجن، وأنتم مع إنعامه عليكم، وجميل أياديه عندكم، تفترون عليه بما تفترون.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦٠٤) ↗التحرير والتنوير
43] سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) إنشاء تنزيه لله تعالى عما ادعوه من وجود شركاء له في الإلهية. وهذا من المقول اعتراض بين أجزاء المقول، وهو مستأنف لأنه نتيجة لبطلان قولهم: إن مع الله آلهة، بما نهضت به الحجة عليهم من قوله: إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا. وقد تقدم الكلام على نظيره في قوله تعالى: سبحانه وتعالى عما يصفون في سورة الأنعام [100] . والمراد بما يقولون ما يقولونه مما ذكر آنفا كقوله تعالى: ونرثه ما يقول. وعلوا مفعول مطلق عامله تعالى. جيء به على غير قياس فعله للدلالة على أن التعالي هو الاتصاف بالعلو بحق لا بمجرد الادعاء كقول سعدة أم الكميت بن معر: تعاليت فوق الحق عن آل فقعس ... ولم تخش فيهم ردة اليوم أو غد وقوله سبحانه: ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم [المؤمنون: 24] ، أي يدعي الفضل ولا فضل له. وهو منصوب على المفعولية المطلقة المبينة للنوع. والمراد بالكبير الكامل في نوعه. وأصل الكبير صفة مشبهة: الموصوف بالكبر. والكبر: ضخامة جسم الشيء في متناول الناس، أي تعالى أكمل علو لا يشوبه شيء من جنس ما نسبوه إليه، لأن المنافاة بين استحقاق ذاته وبين نسبة الشريك له والصاحبة والولد بلغت في قوة الظهور إلى حيث لا تحتاج إلى زيادة لأن وجوب الوجود والبقاء ينافي آثار الاحتياج والعجز. وقرأ الجمهور عما يقولون بياء الغيبة. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف- بتاء الخطاب- على أنه التفات، أو هو من جملة المقول من قوله: قل لو كان معه آلهة [الإسراء: 42] على هذه القراءة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١١٣) ↗