البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة الإسراء · الآية ٤٤

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى أنه صرف لعباده في هذا القرآن، أي: نوع الأحكام ووضحها، وأكثر من الأدلة والبراهين على ما دعا إليه، ووعظ وذكر، لأجل أن يتذكروا ما ينفعهم فيسلكوه، وما يضرهم فيدعوه. ولكن أبى أكثر الناس إلا نفورا عن آيات الله، لبغضهم للحق، ومحبتهم ما كانوا عليه من الباطل، حتى تعصبوا لباطلهم، ولم يعيروا آيات الله لهم سمعا، ولا ألقوا لها بالا. ومن أعظم ما صرف فيه الآيات والأدلة، التوحيد الذي هو أصل الأصول، فأمر به، ونهى عن ضده، وأقام عليه من الحجج العقلية والنقلية شيئا كثيرا، بحيث من أصغى إلى بعضها، لا تدع في قلبه شكا ولا ريبا. ومن الأدلة على ذلك هذا الدليل العقلي الذي ذكره هنا، فقال: { قل } للمشركين الذين يجعلون مع الله إلها آخر: { لو كان معه آلهة كما يقولون } أي: على موجب زعمهم وافترائهم، { إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } أي: لاتخذوا سبيلا إلى الله بعبادته والإنابة إليه، والتقرب وابتغاء الوسيلة، فكيف يجعل العبد الفقير الذي يرى شدة افتقاره لعبودية ربه، إلها مع الله؟! هل هذا إلا من أظلم الظلم وأسفه السفه؟!! فعلى هذا المعنى، تكون هذه الآية كقوله تعالى: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب [الإسراء: 57]. وكقوله تعالى: ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من أوليآء [الفرقان: 17-18]. ويحتمل أن المعنى في قوله: { قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } أي: لطلبوا السبيل، وسعوا في مغالبة الله تعالى، فإما أن يعلوا عليه فيكون من علا وقهر هو الرب الإله، فأما وقد علموا أنهم يقرون أن آلهتهم التي يعبدون من دون الله مقهورة مغلوبة، ليس لها من الأمر شيء، فلم اتخذوها وهي بهذه الحال؟ فيكون هذا كقوله تعالى: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ليلة أسري إلى المسجد الأقصى، كان (1) بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطار به حتى بلغ السماوات السبع (2) ، فلما رجع قال: سمعت تسبيحا في السماوات العلى مع تسبيح كثير: سبحت السماوات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا سبحان العلي الأعلى، سبحانه وتعالى (3) . وقوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله (4) {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغتكم. وهذا عام في الحيوانات (5) والنبات والجماد، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في صحيح البخاري، عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل (6) . وفي حديث أبي ذر: أن النبي (7) صلى الله عليه وسلم أخذ في يده حصيات، فسمع لهن تسبيح كحنين النحل، وكذا يد أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم [أجمعين] (8) ، وهو حديث مشهور في المسانيد (9) . وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم: "اركبوها سالمة، ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرا لله منه" (10) . وفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال: "نقيقها تسبيح" (11) . وقال قتادة، عن عبد الله بن بابي (12) ، عن عبد الله بن عمرو: أن الرجل إذا قال: "لا إله إلا الله"، فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله من أحد عملا حتى يقولها. وإذا قال: "الحمد لله" فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد قط حتى يقولها، وإذا قال: "الله أكبر" فهي تملأ (13) ما بين السماء والأرض، وإذا قال: "سبحان الله"، فهي صلاة الخلائق التي لم يدع الله أحدا من خلقه إلا قرره بالصلاة والتسبيح. وإذا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

[44] 44] تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44) جملة يسبح له إلخ. حال من الضمير في سبحانه أي نسبحه في حال أنه يسبح له السماوات السبع إلخ، أي يسبح له العوالم وما فيها وتنزيهه عن النقائص. واللام في قوله: له لام تعدية يسبح المضمن معنى يشهد بتنزيهه، أو هي اللام المسماة لام التبيين كالتي في قوله: ألم نشرح لك صدرك [الشرح: 1] وفي قولهم: حمدت الله لك. ولما أسند التسبيح إلى كثير من الأشياء التي لا تنطق دل على أنه مستعمل في الدلالة على التنزيه بدلالة الحال، وهو معنى قوله: ولكن لا تفقهون تسبيحهم حيث أعرضوا عن النظر فيها فلم يهتدوا إلى ما يحف بها من الدلالة على تنزيهه عن كل ما نسبوه من الأحوال المنافية للإلهية. والخطاب في لا تفقهون يجوز أن يكون للمشركين جريا على أسلوب الخطاب السابق في قوله: إنكم لتقولون قولا عظيما [الإسراء: 40] وقوله: لو كان معه آلهة كما تقولون [الإسراء: 42] لأن الذين لم يفقهوا دلالة الموجودات على تنزيه الله تعالى هم الذين لم يثبتوا له التنزيه عن النقائص التي شهدت الموجودات- حيثما توجه إليها النظر- بتنزيهه عنها فلم يحرم من الاهتداء إلى شهادتها إلا الذين لم يقلعوا عن اعتقاد أضدادها. فأما المسلمون فقد اهتدوا إلى ذلك التسبيح بما أرشدهم إليه القرآن من النظر في الموجودات وإن تفاوتت مقادير الاهتداء على تفاوت القرائح والفهوم. ويجوز أن يكون لجميع الناس باعتبار انتفاء تمام العلم بذلك التسبيح.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١١٤) ↗