البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الإسراء · الآية ٣٨

﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا } أي: كبرا وتيها وبطرا، متكبرا على الحق، ومتعاظما على الخلق. { إنك } في فعلك ذلك { لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } في تكبرك بل تكون حقيرا عند الله، ومحتقرا عند الخلق، مبغوضا ممقوتا، قد اكتسبت أشر الأخلاق، واكتسيت أرذلها، من غير إدراك لبعض ما تروم. { كل ذلك } المذكور الذي نهى الله عنه فيما تقدم من قوله: { لا تجعل مع الله إلها آخر } والنهي عن عقوق الوالدين، وما عطف على ذلك، { كان سيئه عند ربك مكروها } أي: كل ذلك يسوء العاملين ويضرهم، والله تعالى يكرهه ويأباه. { ذلك } الذي بيناه ووضحناه من هذه الأحكام الجليلة، { ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة } فإن الحكمة الأمر بمحاسن الأعمال، ومكارم الأخلاق، والنهي عن أراذل الأخلاق، وأسوأ الأعمال. وهذه الأعمال المذكورة في هذه الآيات من الحكمة العالية، التي أوحاها رب العالمين لسيد المرسلين في أشرف الكتب، ليأمر بها أفضل الأمم، فهي من الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا. ثم ختمها بالنهي عن عبادة غير الله كما افتتحها بذلك فقال: { ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم } أي: خالدا مخلدا، فإنه من يشرك بالله، فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار. { ملوما مدحورا } أي: قد لحقتك اللائمة واللعنة والذم من الله وملائكته والناس أجمعين.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ٣٧–٣٩) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يجازى فاعل ذلك بنقيض (1) قصده. كما ثبت في الصحيح: "بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم، وعليه بردان يتبختر فيهما، إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل (2) فيها إلى يوم القيامة" (3) . وكذلك (4) أخبر الله [تعالى] (5) عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض، وفي الحديث: "من تواضع لله رفعه الله، فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر وضعه الله، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير، حتى لهو أبغض إليهم من الكلب أو الخنزير" (6) . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب "الخمول والتواضع": حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير، حدثنا حجاج بن محمد، بن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن، إذ مر عليه ابن الأهتم (7) -يريد المنصور -وعليه جباب خز قد نضد (8) بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه، وهو يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف، شامخ بأنفه، ثان عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه، أي حميق ينظر في عطفه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة، غير المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها! والله إن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون، في كل عضو منه نعمة، وللشيطان به لعنة، فسمعه ابن الأهتم (9) فرجع يعتذر إليه، فقال: لا تعتذر إلي، وتب إلى ربك، أما سمعت قول الله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا} (10) . ورأى البختري العابد رجلا من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته، فقال له: يا هذا، إن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته! قال: فتركها الرجل بعد. ورأى ابن عمر رجلا يخطر في مشيته، فقال: إن للشياطين إخوانا. وقال: خالد بن معدان: إياكم والخطر، فإن الرجل يده من سائر (11) جسده. رواهما ابن أبي الدنيا. وقال: ابن أبي الدنيا: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا حماد بن زيد، عن (12) يحيى، عن سعيد، عن يحنس قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مشت أمتي …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

قولنا {ولا تمش في الأرض مرحا} [الإسراء: 37] {كان سيئه} [الإسراء: 38] يقول: سيئ ما عددنا عليك عند ربك مكروها. وقال قارئو هذه القراءة: إنما قيل {كل ذلك كان سيئه} [الإسراء: 38] بالإضافة، لأن فيما عددنا من قوله {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] أمورا، هي أمر بالجميل، كقوله {وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83] وقوله {وآت ذا القربى حقه} [الإسراء: 26] وما أشبه ذلك، قالوا: فليس كل ما فيه نهيا عن سيئة، بل فيه نهي عن سيئة، وأمر بحسنات، فلذلك قرأنا {سيئه} [الإسراء: 38] وقرأ عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة: «كل ذلك كان سيئة» وقالوا: إنما عنى بذلك: كل ما عددنا من قولنا {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] ولم يدخل فيه ما قبل ذلك. قالوا: وكل ما عددنا من ذلك الموضع

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٥٩٩) ↗

التحرير والتنوير

وهي مكية عند الجمهور. قيل: إلا آيتين منها، وهما وإن كادوا ليفتنونك- إلى قوله قليلا [الإسراء: 73- 76] . وقيل: إلا أربعا، هاتين الآيتين، وقوله: وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس [الإسراء: 60] وقوله: وقل رب أدخلني مدخل صدق الآية [الإسراء: 80] . وقيل: إلا خمسا، هاته الأربع، وقوله: إن الذين أوتوا العلم من قبله إلى آخر السورة [الإسراء: 107] . وقيل: إلا خمس آيات غير ما تقدم، وهي المبتدأة بقوله ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق الآية [الإسراء: 33] ، وقوله: ولا تقربوا الزنى الآية [الإسراء: 32] ، وقوله: أولئك الذين يدعون الآية [الإسراء: 57] ، وقوله: أقم الصلاة الآية [الإسراء: 78] ، وقوله: وآت ذا القربى حقه الآية [الإسراء: 26] . وقيل إلا ثمانيا من قوله: وإن كادوا ليفتنونك- إلى قوله- سلطانا نصيرا [الإسراء: 73- 80] . وأحسب أن منشأ هاته الأقوال أن ظاهر الأحكام التي اشتملت عليها تلك الأقوال يقتضي أن تلك الآي لا تناسب حالة المسلمين فيما قبل الهجرة فغلب على ظن أصحاب تلك الأقوال أن تلك الآي مدنية. وسيأتي بيان أن ذلك غير متجه عند التعرض لتفسيرها. ويظهر أنها نزلت في زمن كثرت فيه جماعة المسلمين بمكة، وأخذ التشريع المتعلق بمعاملات جماعتهم يتطرق إلى نفوسهم، فقد ذكرت فيها أحكام متتالية لم تذكر أمثال عددها في سورة مكية غيرها عدا سورة الأنعام، وذلك من قوله: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه إلى قوله: كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها [الإسراء: 23- 38] . وقد اختلف في وقت الإسراء. والأصح أنه كان قبل الهجرة بنحو سنة وخمسة أشهر، فإذا كانت قد نزلت عقب وقوع الإسراء بالنبيء صلى الله عليه وسلم تكون قد نزلت في حدود سنة اثنتي عشرة بعد البعثة، وهي سنة اثنتين قبل الهجرة في منتصف السنة. وليس افتتاحها بذكر الإسراء مقتضيا أنها نزلت عقب وقوع الإسراء. بل يجوز أنها نزلت بعد الإسراء بمدة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٦) ↗