البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الإسراء · الآية ٣٧

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا } أي: كبرا وتيها وبطرا، متكبرا على الحق، ومتعاظما على الخلق. { إنك } في فعلك ذلك { لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } في تكبرك بل تكون حقيرا عند الله، ومحتقرا عند الخلق، مبغوضا ممقوتا، قد اكتسبت أشر الأخلاق، واكتسيت أرذلها، من غير إدراك لبعض ما تروم. { كل ذلك } المذكور الذي نهى الله عنه فيما تقدم من قوله: { لا تجعل مع الله إلها آخر } والنهي عن عقوق الوالدين، وما عطف على ذلك، { كان سيئه عند ربك مكروها } أي: كل ذلك يسوء العاملين ويضرهم، والله تعالى يكرهه ويأباه. { ذلك } الذي بيناه ووضحناه من هذه الأحكام الجليلة، { ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة } فإن الحكمة الأمر بمحاسن الأعمال، ومكارم الأخلاق، والنهي عن أراذل الأخلاق، وأسوأ الأعمال. وهذه الأعمال المذكورة في هذه الآيات من الحكمة العالية، التي أوحاها رب العالمين لسيد المرسلين في أشرف الكتب، ليأمر بها أفضل الأمم، فهي من الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا. ثم ختمها بالنهي عن عبادة غير الله كما افتتحها بذلك فقال: { ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم } أي: خالدا مخلدا، فإنه من يشرك بالله، فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار. { ملوما مدحورا } أي: قد لحقتك اللائمة واللعنة والذم من الله وملائكته والناس أجمعين.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ٣٧–٣٩) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن، إذ مر عليه ابن الأهتم (7) -يريد المنصور -وعليه جباب خز قد نضد (8) بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه، وهو يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف، شامخ بأنفه، ثان عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه، أي حميق ينظر في عطفه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة، غير المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها! والله إن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون، في كل عضو منه نعمة، وللشيطان به لعنة، فسمعه ابن الأهتم (9) فرجع يعتذر إليه، فقال: لا تعتذر إلي، وتب إلى ربك، أما سمعت قول الله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا} (10) . ورأى البختري العابد رجلا من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته، فقال له: يا هذا، إن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته! قال: فتركها الرجل بعد. ورأى ابن عمر رجلا يخطر في مشيته، فقال: إن للشياطين إخوانا. وقال: خالد بن معدان: إياكم والخطر، فإن الرجل يده من سائر (11) جسده. رواهما ابن أبي الدنيا. وقال: ابن أبي الدنيا: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا حماد بن زيد، عن (12) يحيى، عن سعيد، عن يحنس قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم،

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٧٦) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وقاتم الأعماق خاوي المخترق يعني بالمخترق: المقطع {ولن تبلغ الجبال طولا} [الإسراء: 37] بفخرك PageEndV14P598 وكبرك، وإنما هذا نهي من الله عباده عن الكبر والفخر والخيلاء، وتقدم منه إليهم فيه معرفهم بذلك أنهم لا ينالون بكبرهم وفخارهم شيئا يقصر عنه غيرهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٥٩٧) ↗

التحرير والتنوير

حقيقي أو لأن هذا المجاز غلب حتى ساوى الحقيقة، قال تعالى: ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض [الإسراء: 102] وقال: ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام وفيه تجريد الإسناد مسؤلا إلى تلك الأشياء بأن المقصود سؤال أصحابها، وهو من نكت بلاغة القرآن. [37] 37] ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) نهي عن خصلة من خصال الجاهلية، وهي خصلة الكبرياء، وكان أهل الجاهلية يتعمدونها. وهذه الوصية الخامسة عشرة. والخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب، وليس خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم إذ لا يناسب ما بعده. والمرح- بفتح الميم وفتح الراء-: شدة ازدهاء المرء وفرحه بحاله في عظمة الرزق. ومرحا مصدر وقع حالا من ضمير تمش. ومجيء المصدر حالا كمجيئه صفة يرد منه المبالغة في الاتصاف. وتأويله باسم الفاعل، أي لا تمش مارحا، أي مشية المارح، وهي المشية الدالة على كبرياء الماشي بتمايل وتبختر. ويجوز أن يكون مرحا مفعولا مطلقا مبينا لفعل تمش لأن للمشي أنواعا، منها: ما يدل على أن صاحبه ذو مرح. فإسناد المرح إلى المشي مجاز عقلي. والمشي مرحا أن يكون في المشي شدة وطء على الأرض وتطاول في بدن الماشي. وجملة إنك لن تخرق الأرض استئناف ناشىء عن النهي بتوجيه خطاب ثان في هذا المعنى على سبيل التهكم، أي أنك أيها الماشي مرحا

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٠٣) ↗