سورة الإسراء · الآية ٣٠
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وآت ذا القربى حقه } من البر والإكرام، الواجب والمسنون، وذلك الحق، يتفاوت بتفاوت الأحوال، والأقارب، والحاجة وعدمها، والأزمنة. { والمسكين } آته حقه من الزكاة ومن غيرها، لتزول مسكنته، { وابن السبيل } وهو الغريب المنقطع به عن بلده، فيعطي الجميع من المال، على وجه لا يضر المعطي، ولا يكون زائدا على المقدار اللائق، فإن ذلك تبذير، قد نهى الله عنه وأخبر: { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } لأن الشيطان لا يدعو إلا إلى كل خصلة ذميمة، فيدعو الإنسان إلى البخل والإمساك، فإذا عصاه، دعاه إلى الإسراف والتبذير. والله تعالى، إنما يأمر بأعدل الأمور وأقسطها ويمدح عليه، كما في قوله عن عباد الرحمن الأبرار والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [الفرقان: 67]. وقال هنا: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } كناية عن شدة الإمساك والبخل. { ولا تبسطها كل البسط } فتنفق فيما لا ينبغي، أو زيادة على ما ينبغي. { فتقعد } إن فعلت ذلك { ملوما } أي: تلام على ما فعلت { محسورا } أي: حاسر اليد فارغها، فلا بقي ما في يدك من المال ولا خلفه مدح وثناء. وهذا الأمر بإيتاء ذي القربى، مع القدرة والغنى، فأما مع العدم، أو تعسر النفقة الحاضرة، فأمر تعالى أن يردوا ردا جميلا فقال: { وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ترجوها } أي: تعرض عن إعطائهم إلى وقت آخر، ترجو فيه من الله تيسير الأمر. { فقل لهم قولا ميسورا } أي: لطيفا برفق، ووعد بالجميل، عند سنوح الفرصة، واعتذار بعدم الإمكان في الوقت الحاضر، لينقلبوا عنك مطمئنة خواطرهم، كما قال تعالى: قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى [البقرة: 263]. وهذا أيضا من لطف الله تعالى بالعباد، أمرهم بانتظار الرحمة والرزق منه، لأن انتظار ذلك عبادة، وكذلك وعدهم بالصدقة والمعروف عند التيسر، عبادة حاضرة، لأن الهم بفعل الحسنة حسنة، ولهذا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يقدر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى آمرا بالاقتصاد في العيش ذاما للبخل ناهيا عن السرف: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} أي: لا تكن بخيلا منوعا، لا تعطي أحدا شيئا، كما قالت اليهود عليهم لعائن الله: {يد الله مغلولة} [المائدة: 64] أي نسبوه إلى البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب. وقوله: {ولا تبسطها كل البسط} أي: ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملوما محسورا. وهذا من باب اللف والنشر أي: فتقعد إن بخلت ملوما، يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك كما قال زهير بن أبي سلمى في المعلقة: ومن كان ذا مال ويبخل بماله %~% على قومه يستغن عنه ويذمم (1) ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو: الدابة التي قد عجزت عن السير، فوقفت ضعفا وعجزا (2) فإنها تسمى الحسير، وهو مأخوذ من الكلال، كما قال تعالى: {فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} [الملك: 3، 4] أي: كليل عن أن يرى عيبا. هكذا فسر هذه الآية -بأن المراد هنا البخل والسرف -ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم. وقد جاء في الصحيحين، من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مثل البخيل والمنفق، كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثدييهما (3) إلى تراقيهما. فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت -أو: وفرت -على جلده، حتى تخفي بنانه وتعفو (4) أثره. وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها فلا (5) تتسع". هذا لفظ البخاري في الزكاة (6) . وفي الصحيحين من طريق هشام بن عروة، عن زوجته فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنفقي هكذا وهكذا وهكذا، ولا توعي فيوعي الله عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك" وفي لفظ: "ولا تحصي فيحصي الله عليك" (7) . وفي صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عليه {إنه كان بعباده خبيرا} [الإسراء: 30] يقول: إن ربك ذو خبرة بعباده، ومن الذي تصلحه السعة في الرزق وتفسده، ومن الذي يصلحه الإقتار والضيق ويهلكه. {بصيرا} [النساء: 58] يقول: هو ذو بصر بتدبيرهم وسياستهم، يقول: فانته
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٥٧٦) ↗التحرير والتنوير
30] إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) موقع هذه الجملة موقع اعتراض بالتعليل لما تقدم من الأمر بإيتاء ذي القربى والمساكين، والنهي عن التبذير، وعن الإمساك المفيد الأمر بالقصد، بأن هذا واجب الناس في أموالهم وواجبهم نحو قرابتهم وضعفاء عشائرهم، فعليهم أن يمتثلوا ما أمرهم الله من ذلك. وليس الشح بمبق مال الشحيح لنفسه، ولا التبذير بمغن من يبذر فيهم المال فإن الله قدر لكل نفس رزقها. فيجوز أن يكون الكلام جاريا على سنن الخطاب السابق لغير معين. ويجوز أن يكون قد حول الكلام إلى خطاب النبيء صلى الله عليه وسلم فوجه بالخطاب إلى النبيء صلى الله عليه وسلم لأنه الأولى بعلم هذه الحقائق العالية، وإن كانت أمته مقصودة بالخطاب تبعا له، فتكون هذه الوصايا مخللة بالإقبال على خطاب النبيء صلى الله عليه وسلم. ويقدر ضد يبسط. وقد تقدم عند قوله تعالى: الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر في سورة الرعد [26] . وجملة إنه كان بعباده خبيرا بصيرا تعليل لجملة إن ربك يبسط الرزق إلى آخرها، أي هو يفعل ذلك لأنه عليم بأحوال عباده وما يليق بكل منهم بحسب ما جبلت عليه نفوسهم، وما يحف بهم من أحوال النظم العالمية التي اقتضتها الحكمة الإلهية المودعة في هذا العالم. والخبير: العالم بالأخبار. والبصير: العالم بالمبصرات. وهذان الاسمان الجليلان يرجعان إلى معنى بعض تعلق العلم الإلهي.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٨٦) ↗