سورة الإسراء · الآية ٢٩
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وآت ذا القربى حقه } من البر والإكرام، الواجب والمسنون، وذلك الحق، يتفاوت بتفاوت الأحوال، والأقارب، والحاجة وعدمها، والأزمنة. { والمسكين } آته حقه من الزكاة ومن غيرها، لتزول مسكنته، { وابن السبيل } وهو الغريب المنقطع به عن بلده، فيعطي الجميع من المال، على وجه لا يضر المعطي، ولا يكون زائدا على المقدار اللائق، فإن ذلك تبذير، قد نهى الله عنه وأخبر: { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } لأن الشيطان لا يدعو إلا إلى كل خصلة ذميمة، فيدعو الإنسان إلى البخل والإمساك، فإذا عصاه، دعاه إلى الإسراف والتبذير. والله تعالى، إنما يأمر بأعدل الأمور وأقسطها ويمدح عليه، كما في قوله عن عباد الرحمن الأبرار والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [الفرقان: 67]. وقال هنا: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } كناية عن شدة الإمساك والبخل. { ولا تبسطها كل البسط } فتنفق فيما لا ينبغي، أو زيادة على ما ينبغي. { فتقعد } إن فعلت ذلك { ملوما } أي: تلام على ما فعلت { محسورا } أي: حاسر اليد فارغها، فلا بقي ما في يدك من المال ولا خلفه مدح وثناء. وهذا الأمر بإيتاء ذي القربى، مع القدرة والغنى، فأما مع العدم، أو تعسر النفقة الحاضرة، فأمر تعالى أن يردوا ردا جميلا فقال: { وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ترجوها } أي: تعرض عن إعطائهم إلى وقت آخر، ترجو فيه من الله تيسير الأمر. { فقل لهم قولا ميسورا } أي: لطيفا برفق، ووعد بالجميل، عند سنوح الفرصة، واعتذار بعدم الإمكان في الوقت الحاضر، لينقلبوا عنك مطمئنة خواطرهم، كما قال تعالى: قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى [البقرة: 263]. وهذا أيضا من لطف الله تعالى بالعباد، أمرهم بانتظار الرحمة والرزق منه، لأن انتظار ذلك عبادة، وكذلك وعدهم بالصدقة والمعروف عند التيسر، عبادة حاضرة، لأن الهم بفعل الحسنة حسنة، ولهذا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يقدر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى آمرا بالاقتصاد في العيش ذاما للبخل ناهيا عن السرف: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} أي: لا تكن بخيلا منوعا، لا تعطي أحدا شيئا، كما قالت اليهود عليهم لعائن الله: {يد الله مغلولة} [المائدة: 64] أي نسبوه إلى البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب. وقوله: {ولا تبسطها كل البسط} أي: ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملوما محسورا. وهذا من باب اللف والنشر أي: فتقعد إن بخلت ملوما، يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك كما قال زهير بن أبي سلمى في المعلقة: ومن كان ذا مال ويبخل بماله %~% على قومه يستغن عنه ويذمم (1) ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو: الدابة التي قد عجزت عن السير، فوقفت ضعفا وعجزا (2) فإنها تسمى الحسير، وهو مأخوذ من الكلال، كما قال تعالى: {فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} [الملك: 3، 4] أي: كليل عن أن يرى عيبا. هكذا فسر هذه الآية -بأن المراد هنا البخل والسرف -ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم. وقد جاء في الصحيحين، من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مثل البخيل والمنفق، كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثدييهما (3) إلى تراقيهما. فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت -أو: وفرت -على جلده، حتى تخفي بنانه وتعفو (4) أثره. وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها فلا (5) تتسع". هذا لفظ البخاري في الزكاة (6) . وفي الصحيحين من طريق هشام بن عروة، عن زوجته فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنفقي هكذا وهكذا وهكذا، ولا توعي فيوعي الله عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك" وفي لفظ: "ولا تحصي فيحصي الله عليك" (7) . وفي صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والإعطاء. وإنما معنى الكلام: ولا تمسك يا محمد يدك بخلا عن النفقة في حقوق الله، فلا تنفق فيها شيئا إمساك المغلولة يده إلى عنقه، الذي لا يستطيع بسطها {ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] يقول: ولا تبسطها بالعطية كل البسط، فتبقى لا شيء عندك، ولا تجد إذا سئلت شيئا تعطيه سائلك {فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] يقول: فتقعد يلومك سائلوك إذا لم تعطهم حين سألوك، وتلومك نفسك على الإسراع في مالك وذهابه {محسورا} [الإسراء: 29] يقول: معيبا، قد انقطع بك، لا شيء عندك تنفقه. وأصله من قولهم للدابة التي قد سير عليها حتى انقطع سيرها وكلت ورزحت من السير، بأنه حسير. يقال منه: حسرت الدابة فأنا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٥٧٣) ↗التحرير والتنوير
وأما إيتاء ابن السبيل فلإكمال نظام المجتمع، لأن المار به من غير بنيه بحاجة عظيمة إلى الإيواء ليلا ليقيه من عوادي الوحوش واللصوص، وإلى الطعام والدفء أو التظلل وقاية من إضرار الجوع والقر أو الحر. ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا لما ذكر البذل المحمود وكان ضده معروفا عند العرب أعقبه بذكره للمناسبة. ولأن في الانكفاف عن البذل غير المحمود الذي هو التبذير استبقاء للمال الذي يفي بالبذل المأمور به، فالانكفاف عن هذا تيسير لذاك وعون عليه، فهذا وإن كان غرضا مهما من التشريع المسوق في هذه الآيات قد وقع موقع الاستطراد في أثناء الوصايا المتعلقة بإيتاء المال ليظهر كونه وسيلة لإيتاء المال لمستحقيه، وكونه مقصودا بالوصاية أيضا لذاته. ولذلك سيعود الكلام إلى إيتاء المال لمستحقيه بعد الفراغ من النهي عن التبذير بقوله: وإما تعرضن عنهم الآية، [الإسراء: 28] ثم يعود الكلام إلى ما يبين أحكام التبذير بقوله: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك [الإسراء: 29] . وليس قوله: ولا تبذر تبذيرا متعلقا بقوله: وآت ذا القربى حقه إلخ.. لأن التبذير لا يوصف به بذل المال في حقه ولو كان أكثر من حاجة المعطى (بالفتح) . فجملة ولا تبذر تبذيرا معطوفة على جملة ألا تعبدوا إلا إياه [الإسراء: 23] لأنها من جملة ما قضى الله به، وهي معترضة بين جملة وآت ذا القربى حقه الآية وجملة وإما تعرضن عنهم الآية [الإسراء: 2] ، فتضمنت هذه الجملة وصية سادسة مما قضى الله به.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٧٨) ↗