سورة الإسراء · الآية ٢١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أن { من كان يريد } الدنيا { العاجلة } المنقضية الزائلة، فعمل لها وسعى، ونسي المبتدأ أو المنتهى، أن الله يعجل له من حطامها ومتاعها ما يشاؤه ويريده، مما كتب [الله] له في اللوح المحفوظ، ولكنه متاع غير نافع ولا دائم له. ثم يجعل له في الآخرة { جهنم يصلاها } أي: يباشر عذابها، { مذموما مدحورا } أي: في حالة الخزي والفضيحة والذم من الله ومن خلقه، والبعد عن رحمة الله، فيجمع له بين العذاب والفضيحة. { ومن أراد الآخرة } فرضيها وآثرها على الدنيا { وسعى لها سعيها } الذي دعت إليه الكتب السماوية، والآثار النبوية، فعمل بذلك على قدر إمكانه { وهو مؤمن } بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. { فأولئك كان سعيهم مشكورا } أي: مقبولا منمى مدخرا لهم أجرهم وثوابهم عند ربهم. ومع هذا، فلا يفوتهم نصيبهم من الدنيا، فكلا يمده الله منها، لأنه عطاؤه وإحسانه. { وما كان عطآء ربك محظورا } أي: ممنوعا من أحد، بل جميع الخلق راتعون بفضله وإحسانه. { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الدنيا، بسعة الأرزاق وقلتها، واليسر والعسر، والعلم والجهل، والعقل والسفه، وغير ذلك من الأمور التي فضل الله العباد بعضهم على بعض بها. { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها إلى الآخرة بوجه من الوجوه. فكم بين من هو في الغرف العاليات، واللذات المتنوعات، والسرور والخيرات والأفراح، ممن هو يتقلب في الجحيم، ويعذب بالعذاب الأليم، وقد حل عليه سخط الرب الرحيم، وكل من الدارين بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحدا عده.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ١٨–٢١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أكبر درجات وأكبر تفضيلا} ] (6) . يقول تعالى: والمراد المكلفون من الأمة، لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكا {فتقعد مذموما} على إشراكك (1) {مخذولا} لأن الرب تعالى لا ينصرك، بل يكلك إلى الذي عبدت معه، وهو لا يملك لك (2) ضرا ولا نفعا؛ لأن مالك الضر والنفع (3) هو الله وحده لا شريك له. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله -هو ابن مسعود -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى، إما أجل [عاجل] (4) وإما غنى عاجل". ورواه أبو داود، والترمذي من حديث بشير بن سلمان، به (5) ، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. يقول تعالى آمرا بعبادته وحده لا شريك له؛ فإن القضاء هاهنا بمعنى الأمر. قال مجاهد: {وقضى} يعني: وصى، وكذا قرأ أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، والضحاك بن مزاحم: "ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه" ولهذا قرن بعبادته بر الوالدين فقال: {وبالوالدين إحسانا} أي: وأمر بالوالدين إحسانا، كما قال في الآية الأخرى: {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} [لقمان: 14] . وقوله: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف} أي: لا تسمعهما قولا سيئا، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ {ولا تنهرهما} أي: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن أبي رباح في قوله: {ولا تنهرهما} أي: لا تنفض (6) يدك على والديك. ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول الحسن والفعل الحسن فقال: {وقل لهما قولا كريما} أي: لينا طيبا حسنا بتأدب وتوقير وتعظيم. {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} أي: تواضع لهما بفعلك {وقل رب ارحمهما} أي: في كبرهما وعند وفاتهما {كما ربياني صغيرا}
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٦٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٥٣٩) ↗التحرير والتنوير
21] انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21) لما كان العطاء المبذول للفريقين هو عطاء الدنيا وكان الناس مفضلين فيه على وجه يدركون حكمته لفت الله لذلك نظر نبيه- عليه الصلاة والسلام- لفت اعتبار وتدبر، ثم ذكره بأن عطاء الآخرة أعظم عطاء، وقد فضل الله به المؤمنين. والأمر بالنظر موجه إلى النبيء صلى الله عليه وسلم ترفيعا في درجات علمه ويحصل به توجيه العبرة إلى غيره. والنظر حقيقته توجه آلة الحس البصري إلى المبصر. وقد شاع في كلام العرب استعماله في النظر المصحوب بالتدبر وتكرير مشاهدة أشياء في غرض ما، فيقوم مقام الظن ويستعمل استعماله بهذا الاعتبار، ولذلك شاع إطلاق النظر في علم الكلام على الفكر المؤدي إلى علم أو ظن، وهو هنا كذلك. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: انظر كيف يفترون على الله الكذب في [النساء: 50] . و (كيف) اسم استفهام مستعمل في التنبيه، وهو معلق فعل (انظر) عن العمل في المفعولين. والمراد التفضيل في عطاء الدنيا، لأنه الذي يدركه التأمل والنظر وبقرينة مقابلته بقوله: وللآخرة أكبر درجات. والمقصود من هذا التنظير التنبيه إلى أن عطاء الدنيا غير منوط بصلاح الأعمال ألا ترى إلى ما فيه من تفاضل بين أهل العمل المتحد، وقد يفضل المسلم فيه الكافر، ويفضل الكافر المسلم، ويفضل بعض المسلمين بعضا، وبعض الكفرة بعضا، وكفاك بذلك هاديا إلى أن مناط عطاء الدنيا أسباب ليست من وادي العمل الصالح ولا مما يساق إلى النفوس الخيرة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٦٣) ↗