سورة الإسراء · الآية ٢٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أن { من كان يريد } الدنيا { العاجلة } المنقضية الزائلة، فعمل لها وسعى، ونسي المبتدأ أو المنتهى، أن الله يعجل له من حطامها ومتاعها ما يشاؤه ويريده، مما كتب [الله] له في اللوح المحفوظ، ولكنه متاع غير نافع ولا دائم له. ثم يجعل له في الآخرة { جهنم يصلاها } أي: يباشر عذابها، { مذموما مدحورا } أي: في حالة الخزي والفضيحة والذم من الله ومن خلقه، والبعد عن رحمة الله، فيجمع له بين العذاب والفضيحة. { ومن أراد الآخرة } فرضيها وآثرها على الدنيا { وسعى لها سعيها } الذي دعت إليه الكتب السماوية، والآثار النبوية، فعمل بذلك على قدر إمكانه { وهو مؤمن } بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. { فأولئك كان سعيهم مشكورا } أي: مقبولا منمى مدخرا لهم أجرهم وثوابهم عند ربهم. ومع هذا، فلا يفوتهم نصيبهم من الدنيا، فكلا يمده الله منها، لأنه عطاؤه وإحسانه. { وما كان عطآء ربك محظورا } أي: ممنوعا من أحد، بل جميع الخلق راتعون بفضله وإحسانه. { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الدنيا، بسعة الأرزاق وقلتها، واليسر والعسر، والعلم والجهل، والعقل والسفه، وغير ذلك من الأمور التي فضل الله العباد بعضهم على بعض بها. { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها إلى الآخرة بوجه من الوجوه. فكم بين من هو في الغرف العاليات، واللذات المتنوعات، والسرور والخيرات والأفراح، ممن هو يتقلب في الجحيم، ويعذب بالعذاب الأليم، وقد حل عليه سخط الرب الرحيم، وكل من الدارين بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحدا عده.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ١٨–٢١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أكبر درجات وأكبر تفضيلا} ] (6) . يقول تعالى: والمراد المكلفون من الأمة، لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكا {فتقعد مذموما} على إشراكك (1) {مخذولا} لأن الرب تعالى لا ينصرك، بل يكلك إلى الذي عبدت معه، وهو لا يملك لك (2) ضرا ولا نفعا؛ لأن مالك الضر والنفع (3) هو الله وحده لا شريك له. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله -هو ابن مسعود -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى، إما أجل [عاجل] (4) وإما غنى عاجل". ورواه أبو داود، والترمذي من حديث بشير بن سلمان، به (5) ، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. يقول تعالى آمرا بعبادته وحده لا شريك له؛ فإن القضاء هاهنا بمعنى الأمر. قال مجاهد: {وقضى} يعني: وصى، وكذا قرأ أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، والضحاك بن مزاحم: "ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه" ولهذا قرن بعبادته بر الوالدين فقال: {وبالوالدين إحسانا} أي: وأمر بالوالدين إحسانا، كما قال في الآية الأخرى: {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} [لقمان: 14] . وقوله: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف} أي: لا تسمعهما قولا سيئا، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ {ولا تنهرهما} أي: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن أبي رباح في قوله: {ولا تنهرهما} أي: لا تنفض (6) يدك على والديك. ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول الحسن والفعل الحسن فقال: {وقل لهما قولا كريما} أي: لينا طيبا حسنا بتأدب وتوقير وتعظيم. {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} أي: تواضع لهما بفعلك {وقل رب ارحمهما} أي: في كبرهما وعند وفاتهما {كما ربياني صغيرا}
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٦٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٥٣٧) ↗التحرير والتنوير
وجملة وهو مؤمن حال من ضمير وسعى. وجيء بجملة وهو مؤمن اسمية لدلالتها على الثبات والدوام، أي وقد كان راسخ الإيمان، وهو في معنى قوله: ثم كان من الذين آمنوا [البلد: 17] لما في (كان) من الدلالة على كون الإيمان ملكة له. والإتيان باسم الإشارة في فأولئك كان سعيهم مشكورا للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما سيخبر به عنهم لأجل ما وصفوا به قبل ذكر اسم الإشارة. والسعي المشكور هو المشكور ساعيه، فوصفه به مجاز عقلي، إذ المشكور المرضي عنه، وإذ المقصود الإخبار عن جزاء عمل من أراد الآخرة وسعى لها سعيها لا عن حسن عمله لأنه قسيم لجزاء من أراد العاجلة وأعرض عن الآخرة، ولكن جعل الوصف للعمل لأنه أبلغ في الإخبار عن عامله بأنه مرضي عنه لأنه في معنى الكناية الراجعة إلى إثبات الشيء بواسطة إثبات ملزومه. والتعبير ب كان في كان سعيهم مشكورا للدلالة على أن الوصف تحقق فيه من قبل، أي من الدنيا لأن الطاعة تقتضي ترتب الشكر عاجلا والثواب آجلا. وقد جمع كونه مشكورا خيرات كثيرة يطول تفصيلها لو أريد تفصيله. [20] 20] كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) تذييل لآية من كان يريد العاجلة إلى آخرها [الإسراء: 18] . وهذه الآية فذلكة للتنبيه على أن الله تعالى لم يترك خلقه من أثر رحمته حتى الكفرة منهم الذين لا يؤمنون بلقائه فقد أعطاهم من نعمة الدنيا على
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٦١) ↗