سورة الإسراء · الآية ١٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أن { من كان يريد } الدنيا { العاجلة } المنقضية الزائلة، فعمل لها وسعى، ونسي المبتدأ أو المنتهى، أن الله يعجل له من حطامها ومتاعها ما يشاؤه ويريده، مما كتب [الله] له في اللوح المحفوظ، ولكنه متاع غير نافع ولا دائم له. ثم يجعل له في الآخرة { جهنم يصلاها } أي: يباشر عذابها، { مذموما مدحورا } أي: في حالة الخزي والفضيحة والذم من الله ومن خلقه، والبعد عن رحمة الله، فيجمع له بين العذاب والفضيحة. { ومن أراد الآخرة } فرضيها وآثرها على الدنيا { وسعى لها سعيها } الذي دعت إليه الكتب السماوية، والآثار النبوية، فعمل بذلك على قدر إمكانه { وهو مؤمن } بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. { فأولئك كان سعيهم مشكورا } أي: مقبولا منمى مدخرا لهم أجرهم وثوابهم عند ربهم. ومع هذا، فلا يفوتهم نصيبهم من الدنيا، فكلا يمده الله منها، لأنه عطاؤه وإحسانه. { وما كان عطآء ربك محظورا } أي: ممنوعا من أحد، بل جميع الخلق راتعون بفضله وإحسانه. { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الدنيا، بسعة الأرزاق وقلتها، واليسر والعسر، والعلم والجهل، والعقل والسفه، وغير ذلك من الأمور التي فضل الله العباد بعضهم على بعض بها. { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها إلى الآخرة بوجه من الوجوه. فكم بين من هو في الغرف العاليات، واللذات المتنوعات، والسرور والخيرات والأفراح، ممن هو يتقلب في الجحيم، ويعذب بالعذاب الأليم، وقد حل عليه سخط الرب الرحيم، وكل من الدارين بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحدا عده.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الإسراء ١٨–٢١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ما يشاء. وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات (1) فإنه قال: {عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها} أي: في الآخرة {يصلاها} أي: يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه {مذموما} أي: في حال كونه مذموما على سوء تصرفه وصنيعه (2) إذ اختار الفاني على الباقي {مدحورا} : مبعدا مقصيا حقيرا ذليلا مهانا. قال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا ذويد (3) ، عن أبي إسحاق، عن زرعة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" (4) . وقوله: {ومن أراد الآخرة} أي: أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم والسرور {وسعى لها سعيها} أي: طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول {وهو مؤمن} أي: وقلبه مؤمن، أي: مصدق بالثواب والجزاء {فأولئك كان سعيهم مشكورا} [يقول تعالى: {كلا} أي كل واحد من الفريقين الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة، نمدهم فيما هم فيه {من عطاء ربك} أي: هو المتصرف الحاكم الذي لا يجور، فيعطي كلا ما يستحقه من الشقاوة والسعادة ولا راد لحكمه ولا مانع لما أعطى، ولا مغير لما أراد؛ ولهذا قال: {وما كان عطاء ربك محظورا} أي: ممنوعا، أي: لا يمنعه أحد ولا يرده راد. قال قتادة: {وما كان عطاء ربك محظورا} أي: منقوصا. وقال الحسن وابن جريج وابن زيد: ممنوعا. ثم قال تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} في الدنيا، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك، والحسن والقبيح وبين ذلك، ومن يموت صغيرا، ومن يعمر حتى يبقى شيخا كبيرا، وبين ذلك {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} أي: ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا؛ فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
للآخرة سعي الآخرة، ومعناه: وعمل لها عملها لمعرفة السامعين بمعنى ذلك، وأن معناه: وسعى لها سعيه لها وهو مؤمن، يقول: هو مؤمن مصدق بثواب الله، وعظيم جزائه على سعيه لها، غير مكذب به تكذيب من أراد العاجلة، يقول الله جل ثناؤه: {فأولئك} [البقرة: 81] يعني: فمن فعل ذلك {كان سعيهم} [الإسراء: 19] يعني عملهم بطاعة الله {مشكورا} [الإسراء: 19] وشكر الله إياهم على سعيهم ذلك حسن جزائه لهم على أعمالهم الصالحة، وتجاوزه لهم عن سيئها برحمته. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} [الإسراء: 19] شكر الله لهم حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٥٣٧) ↗التحرير والتنوير
من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) هذا بيان لجملة من اهتدى فإنما يهتدي [الإسراء: 15] وهو راجع أيضا إلى جملة وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه [الإسراء: 13] تدريجا في التبيان للناس بأن أعمالهم من كسبهم واختيارهم، فابتدئوا بأن الله قد ألزمهم تبعة أعمالهم بقوله: وكل إنسان ألزمناه طائره ثم وكل أمرهم إليهم، وأن المسيء لا يضر بإساءته غيره ولا يحملها عنه غيره فقال: من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه الآية [الإسراء: 15] . ثم أعذر إليهم بأنه لا يأخذهم على غرة ولا يأخذهم إلا بسوء أعمالهم بقوله: وما كنا معذبين إلى قوله: خبيرا بصيرا [الإسراء: 15- 17] . ثم كشف لهم مقاصدهم من أعمالهم، وأنهم قسمان: قسم لم يرد إلا الدنيا فكانت أعماله لمرضاة شهواته معتقدا أن الدنيا هي قصارى مراتع النفوس لا حظ لها إلا ما حصل لها في مدة الحياة لأنه لا يؤمن بالبعث فيقصر عمله على ذلك. وقسم علم أن الفوز الحق هو فيما بعد هذه الحياة فعمل للآخرة مقتفيا ما هداه الله إليه من الأعمال بواسطة رسله وأن الله عامل كل فريق بمقدار همته. فمعنى كان يريد العاجلة أنه لا يريد إلا العاجلة، أي دون الدنيا بقرينة مقابلته بقوله: ومن أراد الآخرة لأن هذه المقابلة تقوم مقام الحصر الإضافي إذ ليس الحصر الإضافي سوى جملتين إثبات لشيء ونفي لخلافه. والإتيان بفعل الكون هنا مؤذن بأن ذلك ديدنه وقصارى همه، ولذلك جعل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/٥٨) ↗