سورة النحل · الآية ٩
﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه السورة تسمى سورة النعم، فإن الله ذكر في أولها أصول النعم وقواعدها، وفي آخرها متمماتها ومكملاتها، فأخبر أنه خلق السماوات والأرض بالحق، ليستدل بها العباد على عظمة خالقهما، وما له من نعوت الكمال، ويعلموا أنه خلقهما مسكنا لعباده الذين يعبدونه، بما يأمرهم به في الشرائع التي أنزلها على ألسنة رسله، ولهذا نزه نفسه عن شرك المشركين به فقال: { تعالى عما يشركون } أي: تنزه وتعاظم عن شركهم فإنه الإله حقا، الذي لا تنبغي العبادة، والحب والذل إلا له تعالى، ولما ذكر خلق السماوات [والأرض]، ذكر خلق ما فيهما. وبدأ بأشرف ذلك وهو الإنسان فقال: { خلق الإنسان من نطفة } لم يزل يدبرها، ويرقيها وينميها، حتى صارت بشرا تاما كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة، قد غمره بنعمه الغزيرة، حتى إذا استتم فخر بنفسه وأعجب بها { فإذا هو خصيم مبين } يحتمل أن المراد: فإذا هو خصيم لربه، يكفر به، ويجادل رسله، ويكذب بآياته. ونسي خلقه الأول، وما أنعم الله عليه به، من النعم، فاستعان بها على معاصيه، ويحتمل أن المعنى: أن الله أنشأ الآدمي من نطفة، ثم لم يزل ينقله من طور إلى طور، حتى صار عاقلا متكلما، ذا ذهن ورأي: يخاصم ويجادل، فليشكر العبد ربه الذي أوصله إلى هذه الحال، التي ليس في إمكانه القدرة على شيء منها. { والأنعام خلقها لكم } أي: لأجلكم، ولأجل منافعكم ومصالحكم، من جملة منافعها العظيمة أن لكم { فيها دفء } مما تتخذون من أصوافها وأوبارها، وأشعارها، وجلودها، من الثياب، والفرش، والبيوت. { و } لكم فيها { منافع } غير ذلك { ومنها تأكلون } { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } أي: في وقت راحتها وسكونها، ووقت حركتها وسرحها، وذلك أن جمالها لا يعود إليها منه شيء، فإنكم أنتم الذين تتجملون بها، كما تتجملون بثيابكم وأولادكم وأموالكم، وتعجبون بذلك، { وتحمل أثقالكم } من الأحمال الثقيلة، بل وتحملكم أنتم { إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل الحسية، نبه على الطرق المعنوية الدينية، وكثيرا ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية النافعة الدينية، كما قال تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} [البقرة: 197] ، وقال: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير} [الأعراف: 26] . ولما ذكر في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها، التي يركبونها (1) ويبلغون عليها حاجة في صدورهم، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة -شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه، فبين أن الحق منها ما هي موصلة إليه، فقال: {وعلى الله قصد السبيل} كما قال: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] ، وقال: {هذا (2) صراط علي مستقيم} [الحجر: 41] . قال مجاهد: في [قوله] (3) : {وعلى الله قصد السبيل} قال: طريق الحق على الله. وقال السدي: {وعلى الله قصد السبيل} قال: الإسلام. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {وعلى الله قصد السبيل} يقول: وعلى الله البيان، أي: تبين (4) الهدى والضلال (5) . وكذا روى علي بن أبي طلحة، عنه، وكذا قال قتادة، والضحاك. وقول مجاهد هاهنا أقوى من حيث السياق؛ لأنه تعالى أخبر أن ثم طرقا تسلك إليه، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق، وهي الطريق (6) التي شرعها ورضيها وما عداها مسدودة (7) ، والأعمال فيها مردودة؛ ولهذا قال تعالى: {ومنها جائر} أي: حائد (8) مائل زائغ عن الحق. قال ابن عباس وغيره: هي الطرق المختلفة، والآراء والأهواء المتفرقة، كاليهودية والنصرانية والمجوسية، وقرأ ابن مسعود: "ومنكم جائر". ثم أخبر أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته، فقال: {ولو شاء لهداكم أجمعين} كما قال: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] ، وقال: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
كما قال الراجز: [البحر الرجز] فصد عن نهج الطريق القاصد وقوله: {ومنها جائر} [النحل: 9] يعني تعالى ذكره: ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوج، فالقاصد من السبيل: الإسلام، والجائر منها: اليهودية والنصرانية وغير ذلك من ملل الكفر كلها جائر عن سواء السبيل وقصدها، سوى الحنيفية المسلمة، وقيل: ومنها جائر، لأن السبيل يؤنث ويذكر، فأنثت في هذا الموضع، وقد كان بعضهم يقول: وإنما قيل: «ومنها» لأن السبيل وإن كان لفظها لفظ واحد فمعناها الجمع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٧٧) ↗التحرير والتنوير
الآن، فيدخل في ذلك ما هو غير معهود أو غير معلوم للمخاطبين وهو معلوم عند أمم أخرى كالفيل عند الحبشة والهنود، وما هو غير معلوم لأحد ثم يعلمه الناس من بعد مثل دواب الجهات القطبية كالفقمة والدب الأبيض، ودواب القارة الأمريكية التي كانت مجهولة للناس في وقت نزول القرآن، فيكون المضارع مستعملا في الحال للتجديد، أي هو خالق ويخلق. ويدخل فيه كما قيل ما يخلقه الله من المخلوقات في الجنة، غير أن ذلك خاص بالمؤمنين، فالظاهر أنه غير مقصود من سياق الامتنان العام للناس المتوسل به إلى إقامة الحجة على كافري النعمة. فالذي يظهر لي أن هذه الآية من معجزات القرآن الغيبية العلمية، وأنها إيماء إلى أن الله سيلهم البشر اختراع مراكب هي أجدى عليهم من الخيل والبغال والحمير، وتلك العجلات التي يركبها الواحد ويحركها برجليه وتسمى (بسكلات) ، وأرتال السكك الحديدية، والسيارات المسيرة بمصفى النفط وتسمى (أطوموبيل) ، ثم الطائرات التي تسير بالنفط المصفى في الهواء. فكل هذه مخلوقات نشأت في عصور متتابعة لم يكن يعلمها من كانوا قبل عصر وجود كل منها. وإلهام الله الناس لاختراعها هو ملحق بخلق الله، فالله هو الذي ألهم المخترعين من البشر بما فطرهم عليه من الذكاء والعلم وبما تدرجوا في سلم الحضارة واقتباس بعضهم من بعض إلى اختراعها، فهي بذلك مخلوقة لله تعالى لأن الكل من نعمته. [9] 9] وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) جملة معترضة.. اقتضت اعتراضها مناسبة الامتنان بنعمة تيسير الأسفار بالرواحل والخيل والبغال والحمير.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١١١) ↗