سورة النحل · الآية ٨٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى عباده نعمه، ويستدعي منهم شكرها والاعتراف بها فقال: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } في الدور والقصور ونحوها تكنكم من الحر والبرد وتستركم، أنتم وأولادكم وأمتعتكم، وتتخذون فيها الغرف والبيوت التي هي لأنواع منافعكم ومصالحكم، وفيها حفظ لأموالكم وحرمكم، وغير ذلك من الفوائد المشاهدة، { وجعل لكم من جلود الأنعام } إما من الجلد نفسه، أو مما نبت عليه، من صوف وشعر ووبر. { بيوتا تستخفونها } أي: خفيفة الحمل تكون لكم في السفر والمنازل التي لا قصد لكم في استيطانها، فتقيكم من الحر والبرد والمطر، وتقي متاعكم من المطر، { و } جعل لكم { من أصوافها } أي: الأنعام { وأوبارها وأشعارهآ أثاثا } وهذا شامل لكل ما يتخذ منها من الآنية والأوعية والفرش والألبسة والأجلة، وغير ذلك. { ومتاعا إلى حين } أي: تتمتعون بذلك في هذه الدنيا وتنتفعون بها، فهذا مما سخر الله العباد لصنعته وعمله. { والله جعل لكم مما خلق } أي: من مخلوقاته التي لا صنعة لكم فيها { ظلالا } وذلك، كأظلة الأشجار والجبال، والآكام ونحوها، { وجعل لكم من الجبال أكنانا } أي: مغارات، تكنكم من الحر والبرد والأمطار والأعداء. { وجعل لكم سرابيل } أي: ألبسة وثيابا { تقيكم الحر } ولم يذكر الله البرد، لأنه قد تقدم أن هذه السورة أولها في أصول النعم، وآخرها في مكملاتها ومتمماتها، ووقاية البرد من أصول النعم، فإنه من الضرورة، وقد ذكره في أولها في قوله لكم فيها دفء ومنافع [النحل: 5]. { تقيكم بأسكم } أي: وثيابا تقيكم وقت البأس والحرب، من السلاح، وذلك، كالدروع والزرد، ونحوها، كذلك يتم نعمته عليكم حيث أسبغ عليكم من نعمه ما لا يدخل تحت الحصر { لعلكم } إذا ذكرتم نعمة الله، ورأيتموها غامرة لكم من كل وجه { تسلمون } لعظمته وتنقادون لأمره، وتصرفونها في طاعة موليها ومسديها، فكثرة النعم من الأسباب الجالبة من العباد مزيد الشكر، والثناء بها على الله تعالى، ولكن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يذكر تبارك وتعالى تمام نعمه على عبيده، بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم، يأوون إليها، ويستترون بها، وينتفعون بها سائر (1) وجوه الانتفاع، وجعل لهم أيضا {من جلود الأنعام بيوتا} أي: من الأدم، يستخفون حملها في أسفارهم، ليضربوها (2) لهم في إقامتهم في السفر والحضر ولهذا قال: {تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها} أي: الغنم، {وأوبارها} أي: الإبل، {وأشعارها} أي: المعز -والضمير عائد على الأنعام- {أثاثا} أي: تتخذون منه أثاثا، وهو المال. وقيل: المتاع. وقيل: الثياب والصحيح أعم من هذا كله، فإنه يتخذ من (3) الأثاث البسط والثياب وغير ذلك، ويتخذ مالا وتجارة. وقال ابن عباس: الأثاث: المتاع. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، والضحاك، وقتادة. وقوله: {إلى حين} أي: إلى أجل مسمى ووقت (4) معلوم. وقوله: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا} قال قتادة: يعني: الشجر. {وجعل لكم من الجبال أكنانا} أي: حصونا ومعاقل، كما {جعل لكم سرابيل تقيكم الحر} وهي الثياب من القطن والكتان والصوف، {وسرابيل تقيكم بأسكم} كالدروع من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك، {كذلك يتم نعمته عليكم} أي: هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم، وما تحتاجون إليه، ليكون -عونا لكم على طاعته وعبادته، {لعلكم تسلمون} هكذا فسره الجمهور، وقرؤوه بكسر اللام من " تسلمون " أي: من الإسلام. وقال قتادة في قوله: {كذلك يتم نعمته عليكم [لعلكم تسلمون] } (5) هذه السورة تسمى سورة النعم. وقال عبد الله بن المبارك وعباد بن العوام، عن حنظلة السدوسي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها "تسلمون" بفتح اللام، يعني من الجراح (6) . رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، عن عباد، وأخرجه ابن جرير من الوجهين، ورد هذه القراءة (7) . وقال عطاء الخراساني: إنما نزل القرآن على قدر معرفة العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: {والله جعل لكم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٢٤) ↗التحرير والتنوير
وجملة كذلك يتم نعمته عليكم تذييل لما ذكر من النعم، والمشار إليه هو ما في النعم المذكورة من الإتمام، أو إلى الإتمام المأخوذ من يتم. و (لعل) للرجاء، استعملت في معنى الرغبة، أي رغبة في أن تسلموا، أي تتبعوا دين الإسلام الذي يدعوكم إلى ما مآله شكر نعم الله تعالى. وتقدم تأويل معنى الرجاء في كلام الله تعالى من سورة البقرة. [82] 82] فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) تفريع على جملة لعلكم تسلمون [سورة النحل: 81] وقع اعتراضا بين جملة كذلك يتم نعمته عليكم [سورة النحل: 81] وجملة ويوم نبعث من كل أمة شهيدا [سورة النحل: 84] . وقد حول الخطاب عنهم إلى خطاب النبيء صلى الله عليه وسلم وهو نوع من الالتفات فيه التفات من أسلوب إلى أسلوب والتفات عمن كان الكلام موجها إليه بتوجيه الكلام إلى شخص آخر. والمعنى: كذلك يتم نعمته عليكم لتسلموا فإن لم يسلموا فإنما عليك البلاغ. والمقصود: تسلية النبيء صلى الله عليه وسلم على عدم استجابتهم. والتولي: الإعراض. وفعل تولوا هنا بصيغة الماضي، أي فإن أعرضوا عن الدعوة فلا تقصير منك ولا غضاضة عليك فإنك قد بلغت البلاغ المبين للمحجة. والقصر إضافي، أي ما عليك إلا البلاغ لا تقليب قلوبهم إلى الإسلام، أو لا تولي جزاءهم على الإعراض، بل علينا جزاؤهم كقوله تعالى: فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب [سورة الرعد: 40] . وجعل هذا جوابا لجملة فإن تولوا من إقامة السبب والعلة مقام المسبب والمعلول: وتقدير الكلام: فإن تولوا فلا تقصير ولا مؤاخذة عليك
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٤١) ↗