البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النحل · الآية ٦٦

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: { وإن لكم في الأنعام } التي سخرها الله لمنافعكم { لعبرة } تستدلون بها على كمال قدرة الله وسعة إحسانه، حيث أسقاكم من بطونها المشتملة على الفرث والدم، فأخرج من بين ذلك لبنا خالصا من الكدر سائغا للشاربين، للذته، ولأنه يسقي ويغذي، فهل هذه إلا قدرة إلهية لا أمور طبيعية. فأي شيء في الطبيعة يقلب العلف الذي تأكله البهيمة، والشراب الذي تشربه من الماء العذب والملح، لبنا خالصا سائغا للشاربين؟ وجعل تعالى لعباده من ثمرات النخيل والأعناب منافع للعباد ومصالح، من أنواع الرزق الحسن الذي يأكله العباد طريا ونضيجا، وحاضرا ومدخرا، وطعاما، وشرابا يتخذ من عصيرها ونبيذها، ومن السكر الذي كان حلالا قبل ذلك، ثم إن الله نسخ حل المسكرات، وأعاض عنها بالطيبات من الأنبذة، وأنواع الأشربة اللذيذة المباحة. { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } عن الله كمال اقتداره، حيث أخرجها من أشجار شبيهة بالحطب، فصارت ثمرة لذيذة وفاكهة طيبة، وعلى شمول رحمته، حيث عم بها عباده ويسرها لهم، وأنه الإله المعبود وحده، حيث إنه المنفرد بذلك.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ٦٦–٦٧) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وفي الآية الأخرى: {مما في بطونها} [المؤمنون: 21] ، ويجوز هذا وهذا، كما في قوله تعالى: {كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره} [المدثر: 54، 55] ، وفي قوله تعالى: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان} [النمل: 35، 36] أي: المال. وقوله: {من بين فرث ودم لبنا خالصا} أي: يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كل إلى موطنه، إذا نضج الغذاء في معدته تصرف (1) منه دم إلى العروق، ولبن إلى الضرع (2) وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه، ولا يتغير به. وقوله: {لبنا خالصا سائغا للشاربين} أي: لا يغص به أحد (3) . ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله شرابا للناس سائغا (4) ، ثنى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة، من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه؛ ولهذا امتن به عليهم فقال: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا} دل على إباحته شرعا قبل تحريمه، ودل على التسوية بين السكر المتخذ من العنب، والمتخذ من النخل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السنة بتفصيل ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك، كما قال (5) ابن عباس في قوله: {سكرا ورزقا حسنا} قال: السكر: ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما. وفي رواية: السكر حرامه، والرزق الحسن حلاله. يعني: ما يبس منهما من تمر وزبيب، وما عمل منهما من طلاء -وهو الدبس (6) -وخل ونبيذ، حلال يشرب قبل أن يشتد، كما وردت السنة بذلك. {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} ناسب ذكر العقل هاهنا، فإنه أشرف ما في الإنسان؛ ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها؛ قال الله تعالى: {وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٢٦٩) ↗

التحرير والتنوير

66] وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) هذه حجة أخرى ومنة من المنن الناشئة عن منافع خلق الأنعام، أدمج في منتها العبرة بما في دلالتها على بديع صنع الله تبعا لقوله تعالى: والأنعام خلقها لكم فيها دفء إلى قوله: لرؤف رحيم [سورة النحل: 5- 7] . ومناسبة ذكر هذه النعمة هنا أن بألبان الأنعام حياة الإنسان كما تحيا الأرض بماء السماء، وأن لآثار ماء السماء أثرا في تكوين ألبان الحيوان بالمرعى. واختصت هذه العبرة بما تنبه إليه من بديع الصنع والحكمة في خلق الألبان بقوله: مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا، ثم بالتذكير بما في ذلك من النعمة على الناس إدماجا للعبرة بالمنة. فجملة وإن لكم في الأنعام لعبرة معطوفة على جملة إن في ذلك لآية لقوم يسمعون [سورة النحل: 65] ، أي كما كان القوم يسمعون عبرة في إنزال الماء من السماء لكم في الأنعام عبرة أيضا، إذ قد كان المخاطبون وهم المؤمنون القوم الذين يسمعون. وضمير الخطاب التفات من الغيبة. وتوكيدها ب إن ولام الابتداء كتأكيد الجملة قبلها. والأنعام: اسم جمع لكل جماعة من أحد أصناف الإبل والبقر والضأن والمعز. والعبرة: ما يتعظ به ويعتبر. وقد تقدم في نهاية سورة يوسف. وجملة نسقيكم مما في بطونه واقعة موقع البيان لجملة وإن لكم في الأنعام لعبرة. والبطون: جمع بطن، وهو اسم للجوف الحاوية للجهاز الهضمي كله من معدة وكبد وأمعاء.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٩٩) ↗