سورة النحل · الآية ٦٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { وإن لكم في الأنعام } التي سخرها الله لمنافعكم { لعبرة } تستدلون بها على كمال قدرة الله وسعة إحسانه، حيث أسقاكم من بطونها المشتملة على الفرث والدم، فأخرج من بين ذلك لبنا خالصا من الكدر سائغا للشاربين، للذته، ولأنه يسقي ويغذي، فهل هذه إلا قدرة إلهية لا أمور طبيعية. فأي شيء في الطبيعة يقلب العلف الذي تأكله البهيمة، والشراب الذي تشربه من الماء العذب والملح، لبنا خالصا سائغا للشاربين؟ وجعل تعالى لعباده من ثمرات النخيل والأعناب منافع للعباد ومصالح، من أنواع الرزق الحسن الذي يأكله العباد طريا ونضيجا، وحاضرا ومدخرا، وطعاما، وشرابا يتخذ من عصيرها ونبيذها، ومن السكر الذي كان حلالا قبل ذلك، ثم إن الله نسخ حل المسكرات، وأعاض عنها بالطيبات من الأنبذة، وأنواع الأشربة اللذيذة المباحة. { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } عن الله كمال اقتداره، حيث أخرجها من أشجار شبيهة بالحطب، فصارت ثمرة لذيذة وفاكهة طيبة، وعلى شمول رحمته، حيث عم بها عباده ويسرها لهم، وأنه الإله المعبود وحده، حيث إنه المنفرد بذلك.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ٦٦–٦٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… بين فرث ودم لبنا خالصا} أي: يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كل إلى موطنه، إذا نضج الغذاء في معدته تصرف (1) منه دم إلى العروق، ولبن إلى الضرع (2) وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه، ولا يتغير به. وقوله: {لبنا خالصا سائغا للشاربين} أي: لا يغص به أحد (3) . ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله شرابا للناس سائغا (4) ، ثنى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة، من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه؛ ولهذا امتن به عليهم فقال: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا} دل على إباحته شرعا قبل تحريمه، ودل على التسوية بين السكر المتخذ من العنب، والمتخذ من النخل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السنة بتفصيل ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك، كما قال (5) ابن عباس في قوله: {سكرا ورزقا حسنا} قال: السكر: ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما. وفي رواية: السكر حرامه، والرزق الحسن حلاله. يعني: ما يبس منهما من تمر وزبيب، وما عمل منهما من طلاء -وهو الدبس (6) -وخل ونبيذ، حلال يشرب قبل أن يشتد، كما وردت السنة بذلك. {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} ناسب ذكر العقل هاهنا، فإنه أشرف ما في الإنسان؛ ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها؛ قال الله تعالى: {وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 34 -36] . المراد بالوحي هاهنا: الإلهام والهداية والإرشاد إلى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوي إليها، ومن الشجر، ومما يعرشون. ثم هي محكمة في غاية الإتقان في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٢٧٤) ↗التحرير والتنوير
اللفظ فيأتي ضميره مفردا، وقد يراعى معناه فيعامل معاملة الجموع، كما في آية سورة المؤمنين [21] نسقيكم مما في بطونها. والخالص: المجرد مما يكدر صفاءه، فهو الصافي. والسائغ: السهل المرور في الحلق. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب نسقيكم- بفتح النون- مضارع سقى. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف- بضم النون- على أنه مضارع أسقى، وهما لغتان، وقرأه أبو جعفر بمثناة فوقية مفتوحة عوضا عن النون على أن الضمير للأنعام. [67] ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) عطف على جملة وإن لكم في الأنعام لعبرة [سورة النحل: 66] . ووجود من في صدر الكلام يدل على تقدير فعل يدل عليه الفعل الذي في الجملة قبلها وهو نسقيكم [النحل: 66] . فالتقدير: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب. وليس متعلقا ب تتخذون، كما دل على ذلك وجود (من) الثانية في قوله: تتخذون منه سكرا المانع من اعتبار تعلق من ثمرات النخيل ب تتخذون، فإن نظم الكلام يدل على قصد المتكلم ولا يصح جعله متعلقا ب تتخذون مقدما عليه، لأنه يبعد المعنى عن الامتنان بلطف الله تعالى إذ جعل نفسه الساقي للناس. وهذا عطف منه على منة، لأن نسقيكم وقع بيانا لجملة وإن لكم في الأنعام لعبرة. ومفاد فعل نسقيكم مفاد الامتنان لأن السقي مزية. وكلتا العبرتين في السقي. والمناسبة أن كلتيهما ماء وأن كلتيهما يضغط باليد، وقد أطلق
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٠٢) ↗