سورة النحل · الآية ٦١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى ما افتراه الظالمون عليه، ذكر كمال حلمه وصبره فقال: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } من غير زيادة ولا نقص، { ما ترك عليها من دآبة } أي: لأهلك المباشرين للمعصية وغيرهم، من أنواع الدواب والحيوانات، فإن شؤم المعاصي يهلك به الحرث والنسل. { ولكن يؤخرهم } عن تعجيل العقوبة عليهم إلى أجل مسمى، وهو يوم القيامة { فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } فليحذروا ما داموا في وقت الإمهال، قبل أن يجيء الوقت الذي لا إمهال فيه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ٦١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، أنبأنا الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله (1) بن مسرح، حدثنا سليمان (2) بن عطاء، عن مسلمة (3) بن عبد الله، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة، يرزقها الله العبد فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر" (4) . وقوله: {ويجعلون لله ما يكرهون} أي: من البنات ومن الشركاء الذين هم [من] (5) عبيده، وهم يأنفون أن يكون عند أحدهم شريك له في ماله. وقوله: {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك أن لهم الحسنى في الدنيا، وإن كان ثم معاد ففيه أيضا لهم الحسنى، وإخبار عن قيل من قال منهم، كقوله: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور} [هود: 9، 10] ، وكقوله (6) : {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ} [فصلت: 50] ، وقوله: {أفرأيت الذي كفر (7) بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا [أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا] } [مريم: 77، 78] (8) وقال إخبارا عن أحد الرجلين: أنه {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال (9) ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا} [الكهف: 35، 36]-فجمع هؤلاء بين عمل السوء وتمني الباطل، بأن يجازوا على ذلك حسنا وهذا مستحيل، كما ذكر ابن إسحاق: أنه وجد حجر في أساس الكعبة حين نقضوها ليجددوها مكتوب عليه حكم ومواعظ، فمن (10) ذلك: تعملون السيئات (11) ويجزون الحسنات؟ أجل كما يجتنى (12) من الشوك العنب (13) . وقال مجاهد، وقتادة: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{ولكن يؤخرهم} [النحل: 61] يقول: ولكن بحلمه يؤخر هؤلاء الظلمة فلا يعاجلهم بالعقوبة، {إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] يقول: إلى وقتهم الذي وقت لهم {فإذا جاء أجلهم} [الأعراف: 34] يقول: فإذا جاء الوقت الذي وقت لهلاكهم، {لا يستأخرون} [الأعراف: 34] عن الهلاك ساعة فيمهلون، {ولا يستقدمون} [الأعراف: 34] له حتى يستوفوا آجالهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٢٥٩) ↗التحرير والتنوير
و (الأعلى) تفضيل، وحذف المفضل عليه لقصد العموم، أي أعلى من كل مثل في العلو بقرينة المقام. والسوء:- بفتح السين- مصدر ساءه، إذا عمل معه ما يكره. والسوء- بضم السين- الاسم، تقدم في قوله تعالى: يسومونكم سوء العذاب في سورة البقرة [49] . والمثل تقدم تفصيل معانيه عند قوله تعالى: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا في سورة البقرة [17] . والعزيز الحكيم تقدم عند قوله تعالى: فاعلموا أن الله عزيز حكيم في سورة البقرة [209] . [61] 61] ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) هذا اعتراض في أثناء التوبيخ على كفرهم الذي من شرائعه وأد البنات. فأما وصف جعلهم لله البنات اللاتي يأنفون منها لأنفسهم، ووصف ذلك بأنه حكم سوء، ووصف حالهم بأنها مثل سوء، وعرفهم بأخص عقائدهم أنهم لا يؤمنون بالآخرة، أتبع ذلك بالوعيد على أقوالهم وأفعالهم. والظلم: الاعتداء على الحق. وأعظمه الاعتداء على حق الخالق على مخلوقاته، وهو حق إفراده بالعبادة، ولذلك كان الظلم في القرآن إذا لم يعد إلى مفعول نحولموا أنفسهم [سورة آل عمران: 117] مرادا منه أعظم الظلم وهو الشرك حتى صار ذلك حقيقة عرفية في مصطلح القرآن، وهو المراد هنا من هذا الإنذار. وأما الظلم الذي هو دون الإشراك بالله فغير مراد هنا لأنه مراتب متفاوتة كما يأتي قريبا فلا يقتضي عقاب الاستئصال على عمومه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٨٧) ↗