البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النحل · الآية ٦٠

﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن جهل المشركين وظلمهم وافترائهم على الله الكذب، وأنهم يجعلون لأصنامهم التي لا تعلم ولا تنفع ولا تضر - نصيبا مما رزقهم الله وأنعم به عليهم، فاستعانوا برزقه على الشرك به، وتقربوا به إلى أصنام منحوتة، كما قال تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله الآية [الأنعام: 136]، { لتسألن عما كنتم تفترون } ويقال: ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون * وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة [يونس: 59-60] فيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. { ويجعلون لله البنات } حيث قالوا عن الملائكة العباد المقربين: إنهم بنات الله، { ولهم ما يشتهون } أي لأنفسهم الذكور، حتى إنهم يكرهون البنات كراهة شديدة، فكان أحدهم { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا } من الغم الذي أصابه { وهو كظيم } أي كاظم على الحزن والأسف إذا بشر بأنثى، وحتى إنه يفتضح عند أبناء جنسه، ويتوارى منهم من سوء ما بشر به. ثم يعمل فكره ورأيه الفاسد فيما يصنع بتلك البنت التي بشر بها { أيمسكه على هون } أي: يتركها من غير قتل على إهانة وذل { أم يدسه في التراب } أي: يدفنها وهي حية، وهو الوأد الذي ذم الله به المشركين، { ألا سآء ما يحكمون } إذ وصفوا الله بما لا يليق بجلاله، من نسبة الولد إليه. ثم لم يكفهم هذا، حتى نسبوا له أردأ القسمين، وهو الإناث، اللاتي يأنفون بأنفسهم عنها ويكرهونها، فكيف ينسبونها لله تعالى؟! فبئس الحكم حكمهم. ولما كان هذا من أمثال السوء التي نسبها إليه أعداؤه المشركون، قال تعالى: { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } أي: المثل الناقص والعيب التام { ولله المثل الأعلى } وهو كل صفة كمال، وكل كمال في الوجود، فالله أحق به، من غير أن يستلزم ذلك نقصا بوجه، وله المثل الأعلى في قلوب أوليائه، وهو التعظيم والإجلال والمحبة والإنابة والمعرفة. { وهو …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… كظيم} ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن، {يتوارى من القوم} أي: يكره أن يراه الناس {من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب} أي: إن أبقاها أبقاها مهانة لا يورثها، ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها، {أم يدسه في التراب} أي: يئدها: وهو: أن يدفنها فيه حية، كما كانوا يصنعون في الجاهلية، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه لله؟ {ألا ساء ما يحكمون} أي: بئس ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوا إليه، كما قال تعالى: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [الزخرف: 17] ، وقال هاهنا: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} أي: النقص إنما ينسب إليهم، {ولله المثل الأعلى} أي: الكمال المطلق من كل وجه، وهو منسوب إليه، {وهو العزيز الحكيم} يخبر تعالى عن حلمه (1) بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أي: لأهلك جميع دواب الأرض تبعا لإهلاك بني آدم، ولكن الرب، جل جلاله، يحلم ويستر، وينظر {إلى أجل مسمى} أي: لا يعاجلهم بالعقوبة؛ إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحدا. قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجعل أن يعذب بذنب بني آدم، وقرأ: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها (2) من دابة} (3) . وكذا روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: كاد الجعل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، حدثنا محمد بن جابر الحنفي (4) ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه (5) . قال: فالتفت إليه فقال: بلى والله، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها [هزالا] (6) بظلم الظالم (7) .

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥٧٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

فبين بقوله: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} [النحل: 60] أنه مثل، وعنى بقوله جل ثناؤه: {للذين لا يؤمنون بالآخرة} [النحل: 60] للذين لا يصدقون بالمعاد والثواب والعقاب من المشركين {مثل السوء} [النحل: 60] وهو القبيح من المثل، وما يسوء من ضرب له ذلك المثل {ولله المثل الأعلى} [النحل: 60] يقول: ولله المثل الأعلى، وهو الأفضل والأطيب، والأحسن، والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٢٥٨) ↗

التحرير والتنوير

60] للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (60) هذه الجملة معترضة جوابا عن مقالتهم التي تضمنها قوله تعالى: وإذا بشر أحدهم بالأنثى [سورة النحل: 58] فإن لها ارتباطا بجملة ويجعلون لله البنات سبحانه [سورة النحل: 57] كما تقدم، فهي بمنزلة، جملة سبحانه، غير أن جملة سبحانه جواب بتنزيه الله عما نسبوه إليه، وهذه جواب بتحقيرهم على ما يعاملون به البنات مع نسبتهم إلى الله هذا الصنف المحقر عندهم. وقد جرى الجواب على استعمال العرب عند ما يسمعون كلاما مكروها أو منكرا أن يقولوا للناطق به: بفيك الحجر، وبفيك الكثكث، ويقولون: تربت يداك، وتربت يمينك، واخسأ. وكذلك جاء قوله تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء شتما لهم. والمثل: الحال العجيبة في الحسن والقبح، وإضافته إلى السوء للبيان. وعرفوا ب «الذين لا يؤمنون بالآخرة» لأنهم اشتهروا بهذه الصلة بين المسلمين، كقوله تعالى: فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون [سورة النحل: 22] ، وقوله: بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد [سورة سبأ: 8] . وجملة ولله المثل الأعلى عطفت على جملة للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء لأن بها تكملة إفساد قولهم وذم رأيهم، إذ نسبوا إلى الله الولد وهو من لوازم الاحتياج والعجز. ولما نسبوا إليه ذلك خصوه بأخس الصنفين عندهم، كما قال تعالى: ويجعلون لله ما يكرهون [سورة النحل: 62] ، وإن لم يكن كذلك في الواقع ولكن هذا جرى على اعتقادهم ومؤاخذة لهم برأيهم.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٨٦) ↗