سورة النحل · الآية ٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه السورة تسمى سورة النعم، فإن الله ذكر في أولها أصول النعم وقواعدها، وفي آخرها متمماتها ومكملاتها، فأخبر أنه خلق السماوات والأرض بالحق، ليستدل بها العباد على عظمة خالقهما، وما له من نعوت الكمال، ويعلموا أنه خلقهما مسكنا لعباده الذين يعبدونه، بما يأمرهم به في الشرائع التي أنزلها على ألسنة رسله، ولهذا نزه نفسه عن شرك المشركين به فقال: { تعالى عما يشركون } أي: تنزه وتعاظم عن شركهم فإنه الإله حقا، الذي لا تنبغي العبادة، والحب والذل إلا له تعالى، ولما ذكر خلق السماوات [والأرض]، ذكر خلق ما فيهما. وبدأ بأشرف ذلك وهو الإنسان فقال: { خلق الإنسان من نطفة } لم يزل يدبرها، ويرقيها وينميها، حتى صارت بشرا تاما كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة، قد غمره بنعمه الغزيرة، حتى إذا استتم فخر بنفسه وأعجب بها { فإذا هو خصيم مبين } يحتمل أن المراد: فإذا هو خصيم لربه، يكفر به، ويجادل رسله، ويكذب بآياته. ونسي خلقه الأول، وما أنعم الله عليه به، من النعم، فاستعان بها على معاصيه، ويحتمل أن المعنى: أن الله أنشأ الآدمي من نطفة، ثم لم يزل ينقله من طور إلى طور، حتى صار عاقلا متكلما، ذا ذهن ورأي: يخاصم ويجادل، فليشكر العبد ربه الذي أوصله إلى هذه الحال، التي ليس في إمكانه القدرة على شيء منها. { والأنعام خلقها لكم } أي: لأجلكم، ولأجل منافعكم ومصالحكم، من جملة منافعها العظيمة أن لكم { فيها دفء } مما تتخذون من أصوافها وأوبارها، وأشعارها، وجلودها، من الثياب، والفرش، والبيوت. { و } لكم فيها { منافع } غير ذلك { ومنها تأكلون } { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } أي: في وقت راحتها وسكونها، ووقت حركتها وسرحها، وذلك أن جمالها لا يعود إليها منه شيء، فإنكم أنتم الذين تتجملون بها، كما تتجملون بثيابكم وأولادكم وأموالكم، وتعجبون بذلك، { وتحمل أثقالكم } من الأحمال الثقيلة، بل وتحملكم أنتم { إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا * ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا} [الفرقان: 54، 55] ، وقال: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [يس: 77، 79] . وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن بسر بن جحاش قال: بصق رسول الله في كفه، ثم قال: "يقول الله: ابن آدم، أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك فعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: أتصدق. وأنى أوان الصدقة؟ " (1) . يمتن تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، كما فصلها في سورة الأنعام إلى ثمانية أزواج، وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع، من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون، ومن ألبانها يشربون، ويأكلون من أولادها، وما لهم فيها من الجمال وهو الزينة؛ ولهذا قال: {ولكم فيها جمال حين تريحون} وهو وقت رجوعها عشيا من المرعى (1) فإنها تكون أمده (2) خواصر، وأعظمه ضروعا، وأعلاه أسنمة، {وحين تسرحون} أي: غدوة حين تبعثونها إلى المرعى. {وتحمل أثقالكم} وهي الأحمال المثقلة (3) التي تعجزون عن نقلها وحملها، {إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس} وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة، وما جرى مجرى ذلك، تستعملونها في أنواع الاستعمال، من ركوب وتحميل، كما قال تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون} [المؤمنون: 21، 22] ، وقال تعالى: {الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون} [غافر: 79، 81] ؛؛ …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
و (أنه لا إله إلا أنا) متعلق ب أنذروا على حذف حرف الجر حذفا مطردا مع (أن) . والتقدير: أنذروا بأنه لا إله إلا أنا. والضمير المنصوب ب (أن) ضمير الشأن. ولما كان هذا الخبر مسوقا للذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى وكان ذلك ضلالا يستحقون عليه العقاب جعل إخبارهم بضد اعتقادهم وتحذيرهم مما هم فيه إنذارا. وفرع عليه فاتقون وهو أمر بالتقوى الشاملة لجميع الشريعة. وقد أحاطت جملة أن أنذروا إلى قوله تعالى: فاتقون بالشريعة كلها، لأن جملة أنذروا أنه لا إله إلا أنا تنبيه على ما يرجع من الشريعة إلى إصلاح الاعتقاد وهو الأمر بكمال القوة العقلية. وجملة فاتقون تنبيه على الاجتناب والامتثال اللذين هما منتهى كمال القوة العملية. [3] 3] خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) استئناف بياني ناشىء عن قوله: سبحانه وتعالى عما يشركون [سورة النحل: 1] لأنهم إذا سمعوا ذلك ترقبوا دليل تنزيه الله عن أن يكون له شركاء. فابتدئ بالدلالة على اختصاصه بالخلق والتقدير وذلك دليل على أن ما يخلق لا يوصف بالإلهية كما أنبأ عنه التفريع عقب هذه الأدلة بقوله الآتي: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون [سورة النحل: 17] . وأعقب قوله: سبحانه بقوله: وتعالى عما يشركون تحقيقا لنتيجة الدليل، كما يذكر المطلوب قبل ذكر القياس في صناعة المنطق ثم يذكر ذلك المطلوب عقب القياس في صورة النتيجة تحقيقا للوحدانية، لأن الضلال فيها هو أصل انتقاض عقائد أهل الشرك، ولأن إشراكهم هو الذي حداهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٠٠) ↗