سورة النحل · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - مقربا لما وعد به محققا لوقوعه -: { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } فإنه آت، وما هو آت فإنه قريب، { سبحانه وتعالى عما يشركون } من نسبة الشريك والولد والصاحبة، والكفء، وغير ذلك مما نسبه إليه المشركون، مما لا يليق بجلاله، أو ينافي كماله، ولما نزه نفسه عما وصفه به أعداؤه، ذكر الوحي الذي ينزله على أنبيائه، مما يجب اتباعه في ذكر ما ينسب لله، من صفات الكمال فقال: { ينزل الملائكة بالروح من أمره } أي: بالوحي الذي به حياة الأرواح { على من يشآء من عباده } ممن يعلمه صالحا، لتحمل رسالته. وزبدة دعوة الرسل كلهم ومدارها على قوله: { أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون } أي: على معرفة الله تعالى وتوحده في صفات العظمة، التي هي صفات الألوهية، وعبادته وحده لا شريك له، فهي التي أنزل الله بها كتبه، وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها، ثم ذكر الأدلة والبراهين على ذلك. فقال: { خلق السموت والأرض بالحق تعالى عما... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ١–٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه" (1) . يقول تعالى [مخبرا] (1) عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها، كما قال تعالى: {من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة [فاصبر] } [المعارج:3، 4] ، (2) وسيأتي بيان أن هذه مسافة ما بين العرش إلى الأرض السابعة، في قول جماعة من السلف والخلف، وهو الأرجح إن شاء الله [تعالى] (3) . وقد ذكر غير واحد أن العرش من ياقوتة حمراء، اتساع ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة. وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة. وقد تقدم في حديث "الأوعال" ما يدل على ارتفاعه عن (4) السموات السبع بشيء عظيم. وقوله: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} كقوله تعالى: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا [فاتقون] } [النحل: 2] (5) ، وكقوله: {وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. [بلسان عربي مبين] } [الشعراء: 192 -194] (6) (7) ؛ ولهذا قال: {لينذر يوم التلاق} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {يوم التلاق} اسم من أسماء يوم القيامة، حذر منه عباده. وقال ابن جريج: قال ابن عباس: يلتقي فيه آدم وآخر ولده. وقال ابن زيد: يلتقي فيه العباد. وقال قتادة، والسدي، وبلال بن سعد، وسفيان بن عيينة (8) : يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض. وقال قتادة أيضا: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، والخالق والخلق. وقال ميمون بن مهران: يلتقي [فيه] (9) الظالم والمظلوم.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٣٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ينزل الله الملائكة بالروح وقرأ ذلك بعض البصريين وبعض المكيين: (ينزل الملائكة) بالياء وتخفيف الزاي ونصب الملائكة، وحكي عن بعض الكوفيين أنه كان يقرؤه: (تنزل الملائكة) ، بالتاء وتشديد الزاي والملائكة بالرفع، على اختلاف عنه في ذلك وقد روي عنه موافقة سائر قراء بلده. وأولى القراءات بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ: {ينزل الملائكة} [النحل: 2] بمعنى: ينزل الله ملائكة، وإنما اخترت ذلك، لأن الله هو المنزل ملائكته بوحيه إلى رسله، فإضافة فعل ذلك إليه أولى وأحق واخترت «ينزل» بالتشديد على التخفيف، لأنه تعالى ذكره كان ينزل من الوحي على من نزله شيئا بعد شيء، والتشديد به إذ كان ذلك معناه أولى من التخفيف. فتأويل الكلام: ينزل الله ملائكته بما يحيا به الحق ويضمحل به
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٦١) ↗التحرير والتنوير
سبحانه وتعالى عما يشركون مستأنفة استئنافا ابتدائيا لأنها المقصود من الوعيد، إذ الوعيد والزجر إنما كانا لأجل إبطال الإشراك، فكانت جملة أتى أمر الله كالمقدمة، وجملة سبحانه وتعالى عما يشركون كالمقصد. و (ما) في قوله: عما يشركون مصدرية، أي عن إشراكهم غيره معه. وقرأ الجمهور يشركون بالتحتية على طريقة الالتفات، فعدل عن الخطاب ليختص التبرؤ من شأنهم أن ينزلوا عن شرف الخطاب إلى الغيبة. وقرأه حمزة والكسائي بالمثناة الفوقية تبعا لقوله: فلا تستعجلوه. [2] 2] ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون (2) كان استعجالهم بالعذاب استهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبه، وكان ناشئا عن عقيدة الإشراك التي من أصولها استحالة إرسال الرسل من البشر. وأتبع تحقيق مجيء العذاب بتنزيه الله عن الشريك فقفي ذلك بتبرئة الرسول- عليه الصلاة والسلام- من الكذب فيما يبلغه عن ربه ووصف لهم الإرسال وصفا موجزا. وهذا اعتراض في أثناء الاستدلال على التوحيد. والمراد بالملائكة الواحد منهم وهو جبرئيل- عليه السلام-. والروح: الوحي. أطلق عليه اسم الروح على وجه الاستعارة لأن الوحي به هدي العقول إلى الحق، فشبه الوحي بالروح كما يشبه العلم الحق بالحياة، وكما يشبه الجهل بالموت قال تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه [سورة الأنعام: 122] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٩٨) ↗