البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النحل · الآية ٤

﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذه السورة تسمى سورة النعم، فإن الله ذكر في أولها أصول النعم وقواعدها، وفي آخرها متمماتها ومكملاتها، فأخبر أنه خلق السماوات والأرض بالحق، ليستدل بها العباد على عظمة خالقهما، وما له من نعوت الكمال، ويعلموا أنه خلقهما مسكنا لعباده الذين يعبدونه، بما يأمرهم به في الشرائع التي أنزلها على ألسنة رسله، ولهذا نزه نفسه عن شرك المشركين به فقال: { تعالى عما يشركون } أي: تنزه وتعاظم عن شركهم فإنه الإله حقا، الذي لا تنبغي العبادة، والحب والذل إلا له تعالى، ولما ذكر خلق السماوات [والأرض]، ذكر خلق ما فيهما. وبدأ بأشرف ذلك وهو الإنسان فقال: { خلق الإنسان من نطفة } لم يزل يدبرها، ويرقيها وينميها، حتى صارت بشرا تاما كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة، قد غمره بنعمه الغزيرة، حتى إذا استتم فخر بنفسه وأعجب بها { فإذا هو خصيم مبين } يحتمل أن المراد: فإذا هو خصيم لربه، يكفر به، ويجادل رسله، ويكذب بآياته. ونسي خلقه الأول، وما أنعم الله عليه به، من النعم، فاستعان بها على معاصيه، ويحتمل أن المعنى: أن الله أنشأ الآدمي من نطفة، ثم لم يزل ينقله من طور إلى طور، حتى صار عاقلا متكلما، ذا ذهن ورأي: يخاصم ويجادل، فليشكر العبد ربه الذي أوصله إلى هذه الحال، التي ليس في إمكانه القدرة على شيء منها. { والأنعام خلقها لكم } أي: لأجلكم، ولأجل منافعكم ومصالحكم، من جملة منافعها العظيمة أن لكم { فيها دفء } مما تتخذون من أصوافها وأوبارها، وأشعارها، وجلودها، من الثياب، والفرش، والبيوت. { و } لكم فيها { منافع } غير ذلك { ومنها تأكلون } { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } أي: في وقت راحتها وسكونها، ووقت حركتها وسرحها، وذلك أن جمالها لا يعود إليها منه شيء، فإنكم أنتم الذين تتجملون بها، كما تتجملون بثيابكم وأولادكم وأموالكم، وتعجبون بذلك، { وتحمل أثقالكم } من الأحمال الثقيلة، بل وتحملكم أنتم { إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

{وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا * ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا} [الفرقان: 54، 55] ، وقال: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [يس: 77، 79] . وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن بسر بن جحاش قال: بصق رسول الله في كفه، ثم قال: "يقول الله: ابن آدم، أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك فعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: أتصدق. وأنى أوان الصدقة؟ " (1) . يمتن تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، كما فصلها في سورة الأنعام إلى ثمانية أزواج، وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع، من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون، ومن ألبانها يشربون، ويأكلون من أولادها، وما لهم فيها من الجمال وهو الزينة؛ ولهذا قال: {ولكم فيها جمال حين تريحون} وهو وقت رجوعها عشيا من المرعى (1) فإنها تكون أمده (2) خواصر، وأعظمه ضروعا، وأعلاه أسنمة، {وحين تسرحون} أي: غدوة حين تبعثونها إلى المرعى. {وتحمل أثقالكم} وهي الأحمال المثقلة (3) التي تعجزون عن نقلها وحملها، {إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس} وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة، وما جرى مجرى ذلك، تستعملونها في أنواع الاستعمال، من ركوب وتحميل، كما قال تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون} [المؤمنون: 21، 22] ، وقال تعالى: {الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون} [غافر: 79، 81] ؛؛ …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ونفخ فيه الروح، فغذاه ورزقه القوت ونماه، حتى إذا استوى على سوقه كفر بنعمة ربه، وجحد مدبره، وعبد من لا يضر ولا ينفع، وخاصم إلهه، فقال {من يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78] ، ونسي الذي خلقه فسواه خلقا سويا من ماء مهين. ويعني بالمبين: أنه يبين عن خصومته بمنطقه ويجادل بلسانه، فذلك إبانته. وعنى بالإنسان: جميع الناس، أخرج بلفظ الواحد وهو في معنى الجميع

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٦٥) ↗

التحرير والتنوير

وقرأ حمزة والكسائي وخلف تعالى عما تشركون بمثناة فوقية. [4] خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) استئناف بياني أيضا. وهو استدلال آخر على انفراده تعالى بالإلهية ووحدانيته فيها. وذلك أنه بعد أن استدل عليهم بخلق العوالم العليا والسفلى وهي مشاهدة لديهم انتقل إلى الاستدلال عليهم بخلق أنفسهم المعلوم لهم. وأيضا لما استدل على وحدانيته بخلق أعظم الأشياء المعلومة لهم استدل عليهم أيضا بخلق أعجب الأشياء للمتأمل وهو الإنسان في طرفي أطواره من كونه نطفة مهينة إلى كونه عاقلا فصيحا مبينا بمقاصده وعلومه. وتعريف الإنسان للعهد الذهني، وهو تعريف الجنس، أي خلق الجنس المعلوم الذي تدعونه بالإنسان. وقد ذكر للاعتبار بخلق الإنسان ثلاثة اعتبارات: جنسه المعلوم بماهيته وخواصه من الحيوانية والناطقية وحسن القوام، وبقية أحوال كونه، ومبدأ خلقه وهو النطفة التي هي أمهن شيء نشأ منها أشرف نوع، ومنتهى ما شرفه به وهو العقل. وذلك في جملتين وشبه جملة خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين. والخصيم من صيغ المبالغة، أي كثير الخصام. ومبين خبر ثان عن ضمير فإذا هو، أي فإذا هو متكلم مفصح عما في ضميره ومراده بالحق أو بالباطل والمنطق بأنواع الحجة حتى السفسطة. والمراد: الخصام في إثبات الشركاء، وإبطال الوحدانية، وتكذيب من يدعون إلى التوحيد، كما دل عليه قوله تعالى في سورة يس

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٠٢) ↗