سورة النحل · الآية ١٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى ما خلقه من المخلوقات العظيمة، وما أنعم به من النعم العميمة، ذكر أنه لا يشبهه أحد ولا كفء له ولا ند له، فقال: { أفمن يخلق } جميع المخلوقات، وهو الفعال لما يريد { كمن لا يخلق } شيئا، لا قليلا ولا كثيرا، { أفلا تذكرون } فتعرفون أن المنفرد بالخلق أحق بالعبادة كلها، فكما أنه واحد في خلقه وتدبيره، فإنه واحد في إلهيته وتوحيده وعبادته. وكما أنه ليس له مشارك إذ أنشأكم وأنشأ غيركم، فلا تجعلوا له أندادا في عبادته، بل أخلصوا له الدين، { وإن تعدوا نعمة الله } عددا مجردا عن الشكر { لا تحصوهآ } فضلا عن كونكم تشكرونها، فإن نعمه الظاهرة والباطنة على العباد بعدد الأنفاس واللحظات، من جميع أصناف النعم، مما يعرف العباد، ومما لا يعرفون، وما يدفع عنهم من النقم فأكثر من أن تحصى، { إن الله لغفور رحيم } يرضى منكم باليسير من الشكر مع إنعامه الكثير. وكما أن رحمته واسعة، وجوده عميم، ومغفرته شاملة للعباد، فعلمه محيط بهم، { يعلم ما تسرون وما تعلنون } بخلاف من عبد من دونه، فإنهم { لا يخلقون شيئا } قليلا ولا كثيرا { وهم يخلقون } فكيف يخلقون شيئا مع افتقارهم في إيجادهم إلى الله تعالى؟!! ومع هذا، ليس فيهم من أوصاف الكمال شيء، لا علم، ولا غيره { أموات غير أحيآء } فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تعقل شيئا، أفتتخذ هذه آلهة من دون رب العالمين، فتبا لعقول المشركين ما أضلها وأفسدها، حيث ضلت في أظهر الأشياء فسادا، وسووا بين الناقص من جميع الوجوه، فلا أوصاف كمال، ولا شيء من الأفعال، وبين الكامل من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فله العلم المحيط بكل الأشياء، والقدرة العامة، والرحمة الواسعة التي ملأت جميع العوالم، والحمد والمجد والكبرياء والعظمة، التي لا يقدر أحد من الخلق أن يحيط ببعض أوصافه، ولهذا قال: { إلهكم إله واحد } وهو الله الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفوا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يعدد تعالى نعمه على خلقه، بأن خلق لهم السماوات سقفا محفوظا (1) والأرض فراشا، وأنزل من السماء ماء فأخرج به أزواجا من نبات شتى، ما بين ثمار وزروع، مختلفة الألوان والأشكال، والطعوم والروائح والمنافع، وسخر الفلك بأن جعلها طافية على تيار ماء البحر، تجري عليه بأمر الله تعالى، وسخر البحر يحملها ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر، لجلب ما هنا إلى هناك، وما هناك إلى هاهنا، وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلى قطر، رزقا للعباد من شرب وسقي وغير ذلك من أنواع المنافع. {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} أي: يسيران لا يقران (2) ليلا ولا نهارا، {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [يس: 40] ، {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54] ، فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار عارضان (3) فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر، {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (4) } [لقمان: 29] ، وقال تعالى: {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} [الزمر: 5] . وقوله: {وآتاكم من كل ما سألتموه} يقول: هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم (5) وقالكم. وقال بعض السلف: من كل ما سألتموه وما لم تسألوه. وقرأ بعضهم: "وأتاكم من كل ما سألتموه". وقوله: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} يخبر عن عجز العباد عن تعداد النعم فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب، رحمه الله: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر (6) من أن يحصيها (7) العباد، ولكن أصبحوا توابين وامسوا توابين.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥١١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
سألتموه ورغبتم إليه شيئا وحذف الشيء الثاني اكتفاء بما التي أضيفت إليها «كل» ، وإنما جاز حذفه، لأن «من» تبعض ما بعدها، فكفت بدلالتها على التبعيض من المفعول، فلذلك جاز حذفه، ومثله قوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] يعني به: وأوتيت من كل شيء في زمانها شيئا،
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٦٨٢) ↗التحرير والتنوير
إلى إنكار نبوة من جاء ينهاهم عن الشرك فلا جرم كان الاعتناء بإثبات الوحدانية وإبطال الشرك مقدما على إثبات صدق الرسول- عليه الصلاة والسلام- المبدأ به في أول السورة بقوله تعالى: ينزل الملائكة بالروح من أمره [سورة النحل: 2] . وعددت دلائل من الخلق كلها متضمنة نعما جمة على الناس إدماجا للامتنان بنعم الله عليهم وتعريضا بأن المنعم عليهم الذين عبدوا غيره قد كفروا نعمته عليهم إذ شكروا ما لم ينعم عليهم ونسوا من انفرد بالإنعام، وذلك أعظم الكفران، كما دل على ذلك عطف وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [سورة إبراهيم: 34] على جملة أفمن يخلق كمن لا يخلق [سورة النحل: 17] . والاستدلال بخلق السماوات والأرض أكبر من سائر الأدلة وأجمع لأنها محوية لهما، ولأنهما من أعظم الموجودات، فلذلك ابتدئ بهما، لكن ما فيه من إجمال المحويات اقتضى أن يعقب بالاستدلال بأصناف الخلق والمخلوقات فثنى بخلق الإنسان وأطواره وهو أعجب الموجودات المشاهدة، ثم بخلق الحيوان وأحواله لأنه يجمع الأنواع التي تلي الإنسان في إتقان الصنع مع ما في أنواعها من المنن، ثم بخلق ما به حياة الإنسان والحيوان وهو الماء والنبات، ثم بخلق أسباب الأزمنة والفصول والمواقيت، ثم بخلق المعادن الأرضية، وانتقل إلى الاستدلال بخلق البحار ثم بخلق الجبال والأنهار والطرقات وعلامات الاهتداء في السير. وسيأتي تفصيله. والباء في قوله: بالحق للملابسة. وهي متعلقة ب خلق إذ الخلق هو الملابس للحق. والحق: هنا ضد العبث، فهو هنا بمعنى الحكمة والجد ألا ترى إلى قوله وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق [سورة الأنبياء: 16] وقوله تعالى: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا [سورة ص: 27] . والحق والصدق يطلقان وصفين لكمال الشيء في نوعه. وجملة تعالى عما يشركون معترضة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٠١) ↗