سورة النحل · الآية ١٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى ما خلقه من المخلوقات العظيمة، وما أنعم به من النعم العميمة، ذكر أنه لا يشبهه أحد ولا كفء له ولا ند له، فقال: { أفمن يخلق } جميع المخلوقات، وهو الفعال لما يريد { كمن لا يخلق } شيئا، لا قليلا ولا كثيرا، { أفلا تذكرون } فتعرفون أن المنفرد بالخلق أحق بالعبادة كلها، فكما أنه واحد في خلقه وتدبيره، فإنه واحد في إلهيته وتوحيده وعبادته. وكما أنه ليس له مشارك إذ أنشأكم وأنشأ غيركم، فلا تجعلوا له أندادا في عبادته، بل أخلصوا له الدين، { وإن تعدوا نعمة الله } عددا مجردا عن الشكر { لا تحصوهآ } فضلا عن كونكم تشكرونها، فإن نعمه الظاهرة والباطنة على العباد بعدد الأنفاس واللحظات، من جميع أصناف النعم، مما يعرف العباد، ومما لا يعرفون، وما يدفع عنهم من النقم فأكثر من أن تحصى، { إن الله لغفور رحيم } يرضى منكم باليسير من الشكر مع إنعامه الكثير. وكما أن رحمته واسعة، وجوده عميم، ومغفرته شاملة للعباد، فعلمه محيط بهم، { يعلم ما تسرون وما تعلنون } بخلاف من عبد من دونه، فإنهم { لا يخلقون شيئا } قليلا ولا كثيرا { وهم يخلقون } فكيف يخلقون شيئا مع افتقارهم في إيجادهم إلى الله تعالى؟!! ومع هذا، ليس فيهم من أوصاف الكمال شيء، لا علم، ولا غيره { أموات غير أحيآء } فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تعقل شيئا، أفتتخذ هذه آلهة من دون رب العالمين، فتبا لعقول المشركين ما أضلها وأفسدها، حيث ضلت في أظهر الأشياء فسادا، وسووا بين الناقص من جميع الوجوه، فلا أوصاف كمال، ولا شيء من الأفعال، وبين الكامل من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فله العلم المحيط بكل الأشياء، والقدرة العامة، والرحمة الواسعة التي ملأت جميع العوالم، والحمد والمجد والكبرياء والعظمة، التي لا يقدر أحد من الخلق أن يحيط ببعض أوصافه، ولهذا قال: { إلهكم إله واحد } وهو الله الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفوا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال البزار: لا نعلم من رواه عن سهيل غير عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر (1) وهو منكر الحديث. وقد رواه سهيل عن النعمان بن أبي عياش (2) عن عبد الله بن عمرو (3) موقوفا (4) . ثم ذكر تعالى الأرض، وما جعل فيها من الرواسي الشامخات والجبال الراسيات، لتقر الأرض ولا تميد، أي: تضطرب بما عليها من الحيوان فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك؛ ولهذا قال: {والجبال أرساها} [النازعات: 32] . وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن قتادة، سمعت الحسن يقول: لما خلقت الأرض كانت تميد، فقالوا ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا فأصبحوا وقد خلقت الجبال، لم (5) تدر الملائكة مم خلقت الجبال (6) . وقال سعيد عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عبادة: أن الله تعالى لما خلق الأرض، جعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا، فأصبحت صبحا وفيها رواسيها. وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، عن علي بن أبي طالب (7) ، رضي الله عنه، قال: لما خلق الله الأرض قمصت وقالت: أي رب، تجعل علي بني آدم يعملون علي الخطايا ويجعلون علي الخبث؟ قال: فأرسى الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان إقرارها كاللحم يترجرج. (8) (9) . وقوله: {وأنهارا وسبلا} أي: وجعل فيها أنهارا تجري من مكان إلى مكان آخر، رزقا للعباد، ينبع في موضع وهو رزق لأهل موضع آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق (10) الجبال والآكام، فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله. وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة، وجنوبا وشمالا وشرقا وغربا، ما بين صغار وكبار، وأودية تجري حينا وتنقطع (11) في وقت، وما بين نبع وجمع،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥٦٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ولا ينعم عليكم نعمة صغيرة ولا كبيرة؟ يقول: أتشركون هذا في عبادة هذا؟ يعرفهم بذلك عظم جهلهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، وقلة شكرهم لمن أنعم عليهم بالنعم التي عددها عليهم، التي لا يحصيها أحد غيره، قال لهم جل ثناؤه موبخهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٩٤) ↗التحرير والتنوير
و (أنه لا إله إلا أنا) متعلق ب أنذروا على حذف حرف الجر حذفا مطردا مع (أن) . والتقدير: أنذروا بأنه لا إله إلا أنا. والضمير المنصوب ب (أن) ضمير الشأن. ولما كان هذا الخبر مسوقا للذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى وكان ذلك ضلالا يستحقون عليه العقاب جعل إخبارهم بضد اعتقادهم وتحذيرهم مما هم فيه إنذارا. وفرع عليه فاتقون وهو أمر بالتقوى الشاملة لجميع الشريعة. وقد أحاطت جملة أن أنذروا إلى قوله تعالى: فاتقون بالشريعة كلها، لأن جملة أنذروا أنه لا إله إلا أنا تنبيه على ما يرجع من الشريعة إلى إصلاح الاعتقاد وهو الأمر بكمال القوة العقلية. وجملة فاتقون تنبيه على الاجتناب والامتثال اللذين هما منتهى كمال القوة العملية. [3] 3] خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) استئناف بياني ناشىء عن قوله: سبحانه وتعالى عما يشركون [سورة النحل: 1] لأنهم إذا سمعوا ذلك ترقبوا دليل تنزيه الله عن أن يكون له شركاء. فابتدئ بالدلالة على اختصاصه بالخلق والتقدير وذلك دليل على أن ما يخلق لا يوصف بالإلهية كما أنبأ عنه التفريع عقب هذه الأدلة بقوله الآتي: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون [سورة النحل: 17] . وأعقب قوله: سبحانه بقوله: وتعالى عما يشركون تحقيقا لنتيجة الدليل، كما يذكر المطلوب قبل ذكر القياس في صناعة المنطق ثم يذكر ذلك المطلوب عقب القياس في صورة النتيجة تحقيقا للوحدانية، لأن الضلال فيها هو أصل انتقاض عقائد أهل الشرك، ولأن إشراكهم هو الذي حداهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٠٠) ↗