سورة النحل · الآية ١٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى ما خلقه من المخلوقات العظيمة، وما أنعم به من النعم العميمة، ذكر أنه لا يشبهه أحد ولا كفء له ولا ند له، فقال: { أفمن يخلق } جميع المخلوقات، وهو الفعال لما يريد { كمن لا يخلق } شيئا، لا قليلا ولا كثيرا، { أفلا تذكرون } فتعرفون أن المنفرد بالخلق أحق بالعبادة كلها، فكما أنه واحد في خلقه وتدبيره، فإنه واحد في إلهيته وتوحيده وعبادته. وكما أنه ليس له مشارك إذ أنشأكم وأنشأ غيركم، فلا تجعلوا له أندادا في عبادته، بل أخلصوا له الدين، { وإن تعدوا نعمة الله } عددا مجردا عن الشكر { لا تحصوهآ } فضلا عن كونكم تشكرونها، فإن نعمه الظاهرة والباطنة على العباد بعدد الأنفاس واللحظات، من جميع أصناف النعم، مما يعرف العباد، ومما لا يعرفون، وما يدفع عنهم من النقم فأكثر من أن تحصى، { إن الله لغفور رحيم } يرضى منكم باليسير من الشكر مع إنعامه الكثير. وكما أن رحمته واسعة، وجوده عميم، ومغفرته شاملة للعباد، فعلمه محيط بهم، { يعلم ما تسرون وما تعلنون } بخلاف من عبد من دونه، فإنهم { لا يخلقون شيئا } قليلا ولا كثيرا { وهم يخلقون } فكيف يخلقون شيئا مع افتقارهم في إيجادهم إلى الله تعالى؟!! ومع هذا، ليس فيهم من أوصاف الكمال شيء، لا علم، ولا غيره { أموات غير أحيآء } فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تعقل شيئا، أفتتخذ هذه آلهة من دون رب العالمين، فتبا لعقول المشركين ما أضلها وأفسدها، حيث ضلت في أظهر الأشياء فسادا، وسووا بين الناقص من جميع الوجوه، فلا أوصاف كمال، ولا شيء من الأفعال، وبين الكامل من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فله العلم المحيط بكل الأشياء، والقدرة العامة، والرحمة الواسعة التي ملأت جميع العوالم، والحمد والمجد والكبرياء والعظمة، التي لا يقدر أحد من الخلق أن يحيط ببعض أوصافه، ولهذا قال: { إلهكم إله واحد } وهو الله الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفوا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تعلنونه بألسنتكم وجوارحكم وأفعالكم، وهو محض ذلك كله عليكم، حتى يجازيكم به يوم القيامة، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء منكم بإساءته، ومسائلكم عما كان منكم من الشكر في الدنيا على نعمه التي أنعمها عليكم، فما التي أحصيتم والتي لم تحصوا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/١٩٦) ↗التحرير والتنوير
وفي هذا إيماء إلى الاستكثار من الشكر على مجمل النعم، وتعريض بفظاعة كفر من كفروا بهذا المنعم، وتغليظ التهديد لهم. وتقدم نظيرها في سورة إبراهيم. وجملة إن الله لغفور رحيم استئناف عقب به تغليظ الكفر والتهديد عليه تنبيها على تمكنهم من تدارك أمرهم بأن يقلعوا عن الشرك، ويتأهبوا للشكر بما يطيقون، على عادة القرآن من تعقيب الزواجر بالرغائب كيلا يقنط المسرفون. وقد خولف بين ختام هذه الآية وختام آية سورة إبراهيم، إذ وقع هنا لك وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار [سورة إبراهيم: 34] لأن تلك جاءت في سياق وعيد وتهديد عقب قوله تعالى: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا [سورة إبراهيم: 28] فكان المناسب لها تسجيل ظلمهم وكفرهم بنعمة الله. وأما هذه الآية فقد جاءت خطابا للفريقين كما كانت النعم المعدودة عليهم منتفعا بها كلاهما. ثم كان من اللطائف أن قوبل الوصفان اللذان في آية سورة إبراهيم لظلوم كفار بوصفين هنا لغفور رحيم إشارة إلى أن تلك النعم كانت سببا لظلم الإنسان وكفره وهي سبب لغفران الله ورحمته. والأمر في ذلك منوط بعمل الإنسان. [19] والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) عطف على جملة أفمن يخلق كمن لا يخلق [سورة النحل: 17] . فبعد أن أثبت أن الله منفرد بصفة الخلق دون غيره بالأدلة العديدة ثم باستنتاج ذلك بقوله: أفمن يخلق كمن لا يخلق انتقل هنا إلى إثبات أنه منفرد بعموم العلم. ولم يقدم لهذا الخبر استدلال ولا عقب بالدليل لأنه مما دلت عليه أدلة الانفراد بالخلق، لأن خالق أجزاء الإنسان الظاهرة والباطنة يجب له أن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٢٤) ↗