البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النحل · الآية ١٠٩

﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن شناعة حال { من كفر بالله من بعد إيمانه } فعمى بعد ما أبصر، ورجع إلى الضلال بعد ما اهتدى، وشرح صدره بالكفر، راضيا به مطمئنا، أن لهم الغضب الشديد من الرب الرحيم، الذي إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وغضب عليهم كل شيء. { ولهم عذاب عظيم } أي: في غاية الشدة، مع أنه دائم أبدا. و { ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة } حيث ارتدوا على أدبارهم، طمعا في شيء من حطام الدنيا، ورغبة فيه، وزهدا في خير الآخرة، فلما اختاروا الكفر على الإيمان، منعهم الله الهداية، فلم يهدهم، لأن الكفر وصفهم، فطبع على قلوبهم فلا يدخلها خير، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلا ينفذ منها ما ينفعهم، ويصل إلى قلوبهم. فشملتهم الغفلة، وأحاط بهم الخذلان، وحرموا رحمة الله التي وسعت كل شيء، وذلك أنها أتتهم فردوها، وعرضت عليهم فلم يقبلوها. { لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون } الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة، وفاتهم النعيم المقيم، وحصلوا على العذاب الأليم. وهذا بخلاف من أكره على الكفر وأجبر عليه، وقلبه مطمئن بالإيمان، راغب فيه، فإنه لا حرج عليه ولا إثم، ويجوز له النطق بكلمة الكفر عند الإكراه عليها. ودل ذلك، على أن كلام المكره على الطلاق، أو العتاق، أو البيع، أو الشراء، أو سائر العقود، أنه لا عبرة به، ولا يترتب عليه حكم شرعي، لأنه إذا لم يعاقب على كلمة الكفر إذا أكره عليها، فغيرها من باب أولى وأحرى.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ١٠٦–١٠٩) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ألا لعنة الله على الظالمين} أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، من حديث قتادة به (1) . وقوله: {الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا} أي يردون الناس عن اتباع الحق وسلوك طريق (2) الهدى الموصلة إلى الله عز وجل ويجنبونهم (3) الجنة، {ويبغونها عوجا} أي: ويريدون أن يكون طريقهم (4) عوجا غير معتدلة، {وهم بالآخرة هم كافرون} أي: جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها. {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء} أي: بل كانوا تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة، ولكن {يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42] ، وفي الصحيحين: "إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته"؛ (5) ولهذا قال تعالى: {يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} أي: يضاعف عليهم العذاب، وذلك لأن الله تعالى جعل لهم سمعا وأبصارا وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم [من شيء] (6) ، بل كانوا صما عن سماع الحق، عميا عن اتباعه، كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] ، وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} [النحل: 88] ؛ ولهذا يعذبون على كل أمر تركوه، وعلى كل نهي ارتكبوه؛ ولهذا كان أصح الأقوال أنهم مكلفون بفروع الشرائع أمرها ونهيها بالنسبة إلى الدار الآخرة. وقوله: {أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: خسروا أنفسهم لأنهم دخلوا (7) نارا حامية، فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين، كما قال تعالى: {كلما خبت زدناهم سعيرا} [الإسراء: 97] . و {ضل عنهم} أي: ذهب عنهم {ما كانوا يفترون} من دون الله من الأنداد والأصنام، فلم تجد عنهم شيئا، بل ضرتهم كل الضرر، كما قال تعالى: {وإذا حشر الناس كانوا لهم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

أن معنى قولهم، جرمت: كسبت الذنب، وأجرمته، أن العرب كثر استعمالها إياه في مواضع الأيمان، وفي مواضع «لا بد» كقولهم: لا جرم أنك ذاهب، بمعنى: لا بد، حتى استعملوا ذلك في مواضع التحقيق فقالوا: لا جرم ليقومن، بمعنى: حقا ليقومن، فمعنى الكلام: لا منع عن أنهم، ولا صد عن أنهم

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٣٧٣) ↗

التحرير والتنوير

والجرم- بالتحريك-: أصله البد. وكثر في الاستعمال حتى صار بمعنى حقا. وقد تقدم عند قوله تعالى: لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون في سورة هود [22] . وقوله: أن الله يعلم في موضع جر بحرف جر محذوف متعلق ب جرم. وخبر لا النافية محذوف لظهوره، إذ التقدير: لا جرم موجود. وحذف الخبر في مثله كثير. والتقدير: لا جرم في أن الله يعلم أو لا جرم من أنه يعلم، أي لا بد من أنه يعلم، أي لا بد من علمه، أي لا شك في ذلك. وجملة أن الله يعلم خبر مستعمل كناية عن الوعيد بالمؤاخذة بما يخفون وما يظهرون من الإنكار والاستكبار وغيرهما بالمؤاخذة بما يخفون وما يظهرون من الإنكار والاستكبار وغيرهما مؤاخذة عقاب وانتقام، فلذلك عقب بجملة إنه لا يحب المستكبرين الواقعة موقع التعليل والتذييل لها، لأن الذي لا يحب فعلا وهو قادر يجازي فاعله بالسوء. والتعريف في المستكبرين للاستغراق، لأن شأن التذييل العموم. ويشمل هؤلاء المتحدث عنهم فيكون إثبات العقاب لهم كإثبات الشيء بدليله. [24، 25] وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) وإذا قيل لهم عطف على جملة قلوبهم منكرة [سورة النحل: 22] ، لأن مضمون هذه من أحوالهم المتقدم بعضها، فإنه ذكر استكبارهم وإنكارهم الوحدانية، وأتبع بمعاذيرهم الباطلة لإنكار نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وبصدهم الناس عن اتباع الإسلام. والتقدير: قلوبهم منكرة ومستكبرة فلا يعترفون

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٢٩) ↗