سورة النحل · الآية ١٠٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن شناعة حال { من كفر بالله من بعد إيمانه } فعمى بعد ما أبصر، ورجع إلى الضلال بعد ما اهتدى، وشرح صدره بالكفر، راضيا به مطمئنا، أن لهم الغضب الشديد من الرب الرحيم، الذي إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وغضب عليهم كل شيء. { ولهم عذاب عظيم } أي: في غاية الشدة، مع أنه دائم أبدا. و { ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة } حيث ارتدوا على أدبارهم، طمعا في شيء من حطام الدنيا، ورغبة فيه، وزهدا في خير الآخرة، فلما اختاروا الكفر على الإيمان، منعهم الله الهداية، فلم يهدهم، لأن الكفر وصفهم، فطبع على قلوبهم فلا يدخلها خير، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلا ينفذ منها ما ينفعهم، ويصل إلى قلوبهم. فشملتهم الغفلة، وأحاط بهم الخذلان، وحرموا رحمة الله التي وسعت كل شيء، وذلك أنها أتتهم فردوها، وعرضت عليهم فلم يقبلوها. { لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون } الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة، وفاتهم النعيم المقيم، وحصلوا على العذاب الأليم. وهذا بخلاف من أكره على الكفر وأجبر عليه، وقلبه مطمئن بالإيمان، راغب فيه، فإنه لا حرج عليه ولا إثم، ويجوز له النطق بكلمة الكفر عند الإكراه عليها. ودل ذلك، على أن كلام المكره على الطلاق، أو العتاق، أو البيع، أو الشراء، أو سائر العقود، أنه لا عبرة به، ولا يترتب عليه حكم شرعي، لأنه إذا لم يعاقب على كلمة الكفر إذا أكره عليها، فغيرها من باب أولى وأحرى.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النحل ١٠٦–١٠٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الله، ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير! قال: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان. فقال: "إن عادوا فعد". وفي ذلك أنزل الله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} (1) . ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يوالى المكره على الكفر، إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يستقتل، كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى أنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول: أحد، أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي (2) أغيظ لكم منها لقلتها، رضي الله عنه وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد (3) الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك (4) . وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عكرمة، أن عليا، رضي الله عنه، حرق ناسا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تعذبوا بعذاب الله". وكنت قاتلهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" فبلغ ذلك عليا فقال: ويح أم ابن (5) عباس. رواه البخاري (6) . وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال: ما هذا؟ قال (7) رجل كان يهوديا فأسلم، ثم تهود، ونحن نريده على الإسلام منذ -قال: أحسب-شهرين فقال: والله لا أقعد (8) حتى تضربوا عنقه. فضربت عنقه. فقال: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه-أو قال: من بدل دينه فاقتلوه (9) . وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر (10) . والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله، كما قال (11) الحافظ ابن عساكر، في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فختم عليها بطابعه، فلا يؤمنون ولا يهتدون، وأصم أسماعهم فلا يسمعون داعي الله إلى الهدى، PageEndV14P377 وأعمى أبصارهم فلا يبصرون بها حجج الله إبصار معتبر ومتعظ {وأولئك هم الغافلون} [النحل: 108] يقول: وهؤلاء الذين جعل الله فيهم هذه الأفعال هم الساهون عما أعد الله لأمثالهم من أهل الكفر وعما يراد بهم. وقوله: {لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون} [النحل: 109] الهالكون، الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من كرامة الله تعالى
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٣٧٦) ↗التحرير والتنوير
على أن مضمون من كفر بالله من بعد إيمانه مقابل لمضمون من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن [سورة النحل: 97] ، فحصل الترهيب بعد الترغيب، كما ابتدئ بالتحذير تحفظا على الصالح من الفساد، ثم أعيد الكلام بإصلاح الذين اعتراهم الفساد، وفتح باب الرخصة للمحافظين على صلاحهم بقدر الإمكان. واعلم أن الآية إن كانت تشير إلى نفر كفروا بعد إسلامهم كانت من موصولة وهي مبتدأ والخبر فعليهم غضب من الله. وقرن الخبر بالفاء لأن في المبتدأ شبها بأداة الشرط. وقد يعامل الموصول معاملة الشرط، ووقع في القرآن في غير موضع. ومنه قوله تعالى: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم [سورة البروج: 10] ، وقوله تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة إلى قوله فبشرهم بعذاب أليم في سورة براءة [34] . وقيل إن فريقا كفروا بعد إسلامهم، كما روي في شأن جبر غلام ابن الحضرمي. وهذا الوجه أليق بقوله تعالى: أولئك الذين طبع الله على قلوبهم [سورة النحل: 108] الآية. وإن كان ذلك لم يقع فالآية مجرد تحذير للمسلمين من العود إلى الكفر، ولذلك تكون من شرطية، والشرط غير مراد به معين بل هو تحذير، أي من يكفروا بالله، لأن الماضي في الشرط ينقلب إلى معنى المضارع، ويكون قوله: فعليهم غضب من الله جوابا. والتحذير حاصل على كلا المعنيين. وأما قوله: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فهو ترخيص ومعذرة لما صدر من عمار بن ياسر وأمثاله إذا اشتد عليهم عذاب من فتنوهم. وقوله: إلا من أكره استثناء من عموم من كفر لئلا يقع حكم الشرط عليه، أي إلا من أكرهه المشركون على الكفر، أي على إظهاره
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٩٣) ↗