سورة الحجر · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى معظما لكتابه، مادحا له { تلك آيات الكتاب } أي: الآيات الدالة على أحسن المعاني، وأفضل المطالب، { وقرآن مبين } للحقائق بأحسن لفظ وأوضحه وأدله على المقصود، وهذا مما يوجب على الخلق الانقياد إليه، والتسليم لحكمه وتلقيه بالقبول والفرح والسرور. فأما من قابل هذه النعمة العظيمة بردها والكفر بها، فإنه من المكذبين الضالين، الذين سيأتي عليهم وقت يتمنون أنهم مسلمون، أي: منقادون لأحكامه، وذلك حين ينكشف الغطاء، وتظهر أوائل الآخرة، ومقدمات الموت، فإنهم في أحوال الآخرة كلها يتمنون أنهم مسلمون، وقد فات وقت الإمكان، ولكنهم في هذه الدنيا مغترون. ف { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } بلذاتهم { ويلههم الأمل } أي: يؤملون البقاء في الدنيا، فيلهيهم عن الآخرة، { فسوف يعلمون } أن ما هم عليه باطل، وأن أعمالهم ذهبت خسرانا عليهم، ولا يغتروا بإمهال الله تعالى، فإن هذه سنته في الأمم. { ومآ أهلكنا من قرية } كانت مستحقة للعذاب { إلا ولها كتاب معلوم } مقدر لإهلاكها. { ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون } وإلا فالذنوب لا بد من وقوع أثرها، وإن تأخر.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحجر ١–٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… عن أبيه، عن أبي موسى، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى. قالوا: فما أغنى عنكم الإسلام! فقد صرتم (9) معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها. فسمع (10) الله ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا". قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، {الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} (11) ورواه ابن أبي حاتم، من حديث خالد بن نافع، به، وزاد فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، عوض الاستعاذة. الحديث الثالث: وقال الطبراني (12) أيضا: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن راهويه قال: قلت لأبي أسامة: أحدثكم أبو روق (13) -واسمه عطية بن الحارث-: حدثني صالح بن أبي طريف قال: سألت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} ؟ قال: نعم، سمعته يقول: "يخرج الله ناسا من المؤمنين من
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥٢٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنى واحد، قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب. واختلف أهل العربية في معنى «ما» التي مع «رب» ، فقال بعضنحويي البصرة: أدخل مع «رب» ما «ليتكلم بالفعل بعدها، وإن شئت جعلت» ما " بمنزلة شيء، فكأنك قلت: رب شيء يود: أي رب ود يوده الذين كفروا، وقد أنكر ذلك من قوله بعض نحويي الكوفة، وقال: المصدر لا يحتاج إلى عائد، والود قد وقع على «لو» ، ربما يودون لو كانوا: أن يكونوا قال: وإذا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦) ↗التحرير والتنوير
الله عليه وسلم بعنوانه الأعم وهو كونه كتابا، لأنهم حين جادلوا ما جالوا إلا في كتاب فقالوا: لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم [الأنعام: 157] ولأنهم يعرفون ما عند الأمم الآخرين بعنوان «كتاب» ، ويعرفونهم بعنوان «أهل الكتاب» . فأما عنوان «القرآن» فهو مناسب لكون الكتاب مقروءا مدروسا وإنما يقرأه ويدرسه المؤمنون به. ولذلك قدم عنوان «القرآن» في سورة النمل كما سيأتي. والمبين: اسم فاعل من أبان القاصر الذي هو بمعنى بان مبالغة في ظهوره، أي ظهور قرآنيته العظيمة، أي ظهور إعجازه الذي تحققه المعاندون وغيرهم. وإنما لم نجعل المبين بمعنى أبان المتعدي لأن كونه بينا في نفسه أشد في توبيخ منكريه من وصفه بأنه مظهر لما اشتمل عليه. وسيجيء قريب من هذه الآية في أول سورة النمل. [2] 2] ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) استئناف ابتدائي وهو مفتتح الغرض وما قبله كالتنبيه والإنذار. وربما مركبة من (رب) . وهو حرف يدل على تنكير مدخوله ويجر ويختص بالأسماء. وهو بتخفيف الباء وتشديدها في جميع الأحوال. وفيها عدة لغات. وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر بتخفيف الباء. وقرأ الباقون بتشديدها. واقترنت بها (ما) الكافة ل (رب) عن العمل. ودخول (ما) بعد (رب) يكف عملها غالبا. وبذلك يصح دخولها على الأفعال. فإذا دخلت على الفعل فالغالب أن يراد بها التقليل.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٠) ↗