سورة إبراهيم · الآية ٤٥
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… وقال تعالى: {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير} [فاطر: 37] . وقال تعالى رادا عليهم في قولهم هذا: {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} أي: أو لم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحال: أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه، وأنه لا معاد ولا جزاء، فذوقوا هذا بذاك. قال مجاهد وغيره: {ما لكم من زوال} أي: ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة، كما أخبر عنهم تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا} [النحل: 38] . {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال} أي: قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر، ولم يكن فيما أوقعنا بهم مزدجر لكم (2) {حكمة بالغة فما تغن النذر} [القمر: 5] . وقد روى شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن [بن دابيل] (3) أن عليا، رضي الله عنه، قال في هذه الآية: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} قال: أخذ ذاك الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين صغيرين، فرباهما حتى استغلظا واستعلجا وشبا (4) . قال: فأوثق رجل كل واحد منهما بوتد إلى تابوت، وجوعهما، وقعد هو ورجل آخر في التابوت قال:-ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم -قال: فطارا [قال] (5) وجعل يقول لصاحبه: انظر، ما (6) ترى؟ قال: أرى كذا وكذا، حتى قال: أرى الدنيا كلها كأنها ذباب. قال: فقال: صوب العصا،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٥١٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وعلمتم كيف أهلكناهم حين عتوا على ربهم، وتمادوا في طغيانهم وكفرهم {وضربنا لكم الأمثال} [إبراهيم: 45] يقول: ومثلنا لكم فيما كنتم عليه من الشرك بالله مقيمين الأشباه، فلم تنيبوا، ولم تتوبوا من كفركم، فالآن تسألون التأخير للتوبة حين نزل بكم ما قد نزل بكم من العذاب، إن ذلك لغير كائن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٧١٦) ↗التحرير والتنوير
والتذييل مع تمثيل حالهم بحال الأمم السالفة وتشابه عقلياتهم في حججهم الباطلة ورد الرسل عليهم بمثل ما رد به القرآن على المشركين في مواضع، ثم ختم بالوعيد. والاستفهام إنكاري لأنهم قد بلغتهم أخبارهم، فأما قوم نوح فقد تواتر خبرهم بين الأمم بسبب خبر الطوفان، وأما عاد وثمود فهم من العرب ومساكنهم في بلادهم وهم يمرون عليها ويخبر بعضهم بعضا بها، قال تعالى: وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم [سورة إبراهيم: 45] وقال: وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون [سورة الصافات: 137] . والذين من بعدهم يشمل أهل مدين وأصحاب الرس وقوم تبع وغيرهم من أمم انقرضوا وذهبت أخبارهم فلا يعلمهم إلا الله. وهذا كقوله تعالى: وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا [سورة الفرقان: 38] . وجملة لا يعلمهم إلا الله معترضة بين والذين من بعدهم وبين جملة جاءتهم رسلهم بالبينات الواقعة حالا من والذين من بعدهم، وهو كناية عن الكثرة التي يستلزمها انتفاء علم الناس بهم. ومعنى جاءتهم رسلهم جاء كل أمة رسولها. وضمائر فردوا وأيديهم وأفواههم عائد جميعها إلى قوم نوح والمعطوفات عليه. وهذا التركيب لا أعهد سبق مثله في كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن. ومعنى فردوا أيديهم في أفواههم يحتمل عدة وجوه أنهاها في «الكشاف» إلى سبعة وفي بعضها بعد، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل كراهية أن تظهر دواخل أفواههم. وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/١٩٦) ↗