سورة إبراهيم · الآية ٤٦
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا عن قيل الذين ظلموا أنفسهم، عند معاينة العذاب: {ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل} كما قال تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} [المؤمنون: 99، 100] ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن (1) من الصالحين} [المنافقون: 9، 10] ، وقال تعالى مخبرا عنهم في حال محشرهم: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون} [السجدة: 12] ، وقال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 27، 28] ، وقال تعالى: {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير} [فاطر: 37] . وقال تعالى رادا عليهم في قولهم هذا: {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} أي: أو لم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحال: أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه، وأنه لا معاد ولا جزاء، فذوقوا هذا بذاك. قال مجاهد وغيره: {ما لكم من زوال} أي: ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة، كما أخبر عنهم تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا} [النحل: 38] . {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال} أي: قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر، ولم يكن فيما أوقعنا بهم مزدجر لكم (2) {حكمة بالغة فما تغن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
… قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) ، مكر فارس، وزعم أن بختنصر خرج بنسور، وجعل له تابوتا يدخله، وجعل رماحا في أطرافها واللحم فوقها أراه قال: فعلت تذهب نحو اللحم حتى انقطع بصره من الأرض وأهلها، فنودي: أيها الطاغية، أين تريد؟ ففرق، ثم سمع الصوت فوقه، فصوب الرماح، فتصوبت النسور، ففزعت الجبال من هدتها، وكادت الجبال أن تزول منه من حس ذلك، فذلك قوله: (وإن كان مكرهم لتزول منه PageEndV13P720 الجبال) " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم، وإن كاد مكرهم " كذا قرأها مجاهد: «كاد مكرهم لتزول منه الجبال» وقال: " إن بعض من مضى جوع نسورا، ثم جعل عليها تابوتا فدخله، ثم جعل رماحا في أطرافها لحم، فجعلت ترى اللحم فتذهب، حتى انتهى بصره، فنودي: أيها الطاغية، أين تريد؟ فصوب الرماح، فتصوبت النسور، ففزعت الجبال، وظنت أن الساعة قد قامت، فكادت أن تزول، فذلك قوله تعالى: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٧٢٠) ↗التحرير والتنوير
46] وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) يجوز أن يكون عطف خبر على خبر، ويجوز أن يكون حالا من الناس في قوله: وأنذر الناس، أي أنذرهم في حال وقوع مكرهم. والمكر: تبييت فعل السوء بالغير وإضماره. وتقدم في قوله تعالى: ومكروا ومكر الله في سورة آل عمران [54] ، وفي قوله: أفأمنوا مكر الله في سورة الأعراف [99] . وانتصب مكرهم الأول على أنه مفعول مطلق لفعل مكروا لبيان النوع، أي المكر الذي اشتهروا به، فإضافة مكر إلى ضمير هم من إضافة المصدر إلى فاعله. وكذلك إضافة مكر الثاني إلى ضمير هم. والعندية إما عندية علم، أي وفي علم الله مكرهم، فهو تعري بالوعيد والتهديد بالمؤاخذة بسوء فعلهم، وإما عندية تكوين ما سمي بمكر الله وتقديره في إرادة الله فيكون وعيدا بالجزاء على مكرهم. وقرأ الجمهور لتزول- بكسر اللام وبنصب الفعل المضارع بعدها- فتكون (إن) نافية ولام لتزول لام الجحود، أي وما كان مكرهم زائلة منه الجبال، وهو استخفاف بهم، أي ليس مكرهم بمتجاوز مكر أمثالهم، وما هو بالذي تزول منه الجبال. وفي هذا تعريض بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين يريد المشركون المكر بهم لا يزعزعهم مكرهم لأنهم كالجبال الرواسي. وقرأ الكسائي وحده- بفتح اللام الأولى- من لتزول ورفع اللام الثانية على أن تكون إن مخففة من إن المؤكدة وقد أكمل إعمالها، واللام فارقة بينها وبين النافية، فيكون الكلام إثباتا لزوال الجبال من مكرهم، أي هو
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/٢٥٠) ↗