سورة إبراهيم · الآية ١
﴿الر ۚ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وكذبوك. ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، أي: يقدمونها ويؤثرونها عليها، ويعملون للدنيا ونسوا الآخرة، وتركوها وراء ظهورهم، {ويصدون عن سبيل الله} وهي اتباع الرسل {ويبغونها عوجا} أي: ويحبون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة عائلة (1) وهي مستقيمة في نفسها، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، فهم (2) في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق، لا يرجى لهم -والحالة هذه -صلاح. هذا من لطفه تعالى بخلقه: أنه يرسل إليهم رسلا (3) منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن عمر (4) بن ذر قال: قال مجاهد: عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يبعث الله، عز وجل، نبيا إلا بلغة قومه" (5) . وقوله: {فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} أي: بعد البيان وإقامة الحجة عليهم يضل تعالى من يشاء عن وجه الهدى، ويهدي من يشاء إلى الحق، {وهو العزيز} الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، {الحكيم} في أفعاله، فيضل من يستحق الإضلال، ويهدي من هو أهل لذلك. وقد كانت هذه سنة الله في خلقه: أنه ما بعث نبيا في أمة إلا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله بعموم الرسالة إلى سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة" (6) . وله شواهد من وجوه كثيرة، وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٤٧٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
معناه: هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، يعني القرآن {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} [إبراهيم: 1] يقول: لتهديهم به من ظلمات الضلالة والكفر إلى نور الإيمان وضيائه، وتبصر به أهل الجهل والعمى سبل الرشاد والهدى
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٥٨٨) ↗التحرير والتنوير
ثم ذكر الفريقين بحال إبراهيم- عليه السلام- ليعلم الفريقان من هو سالك سبيل إبراهيم عليه السلام ومن هو ناكب عنه من ساكني البلد الحرام وتحذيرهم من كفران النعمة. وإنذارهم أن يحل بهم ما حل بالذين ظلموا من قبل. وتثبيت النبيء صلى الله عليه وسلم بوعد النصر وما تخلل ذلك من الأمثال. وختمت بكلمات جامعة من قوله: هذا بلاغ للناس [سورة إبراهيم: 52] إلى آخرها. [1] بسم الله الرحمن الرحيم الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد (1) الر. تقدم الكلام عى الحروف المقطعة في فاتحة سورة البقرة وعلى نظير هذه الحروف في سورة يونس. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الكلام على تركيب الر كتاب أنزلناه إليك كالكلام على قوله تعالى: المص كتاب أنزل إليك [سورة الأعراف: 1- 2] عدا أن هذه الآية ذكر فيها فاعل الإنزال وهو معلوم من مادة الإنزال المشعرة بأنه وارد من قبل العالم العلوي، فللعلم بمنزلة حذف الفاعل في آية سورة الأعراف، وهو مقتضى الظاهر والإيجاز ولكنه ذكر هنا لأن المقام مقام الامتنان على الناس المستفاد من التعليل بقوله: لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ومن ذكر صفة الربوبية بقوله: بإذن ربهم، بخلاف آية سورة الأعراف فإنها في مقام الطمأنة والتصبير للنبيء- عليه الصلاة والسلام- المنزل إليه الكتاب، فكان التعرض لذكر المنزل إليه والاقتصار عليه أهم في ذلك المقام مع ما فيه من قضاء حق الإيجاز.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/١٧٩) ↗