البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الرعد · الآية ٤٣

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { وقد مكر الذين من قبلهم } برسلهم، وبالحق الذي جاءت به الرسل، فلم يغن عنهم مكرهم، ولم يصنعوا شيئا، فإنهم يحاربون الله ويبارزونه { فلله المكر جميعا } أي: لا يقدر أحد أن يمكر مكرا إلا بإذنه، وتحت قضائه وقدره، فإذا كانوا يمكرون بدينه، فإن مكرهم سيعود عليهم بالخيبة والندم، فإن الله { يعلم ما تكسب كل نفس } أي: همومها وإراداتها وأعمالها الظاهرة والباطنة. والمكر لا بد أن يكون من كسبها، فلا يخفى على الله مكرهم، فيمتنع أن يمكروا مكرا يضر الحق وأهله، ويفيدهم شيئا، { وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } أي: ألهم أو لرسله؟ ومن المعلوم أن العاقبة للمتقين، لا للكفر وأعماله. { ويقول الذين كفروا لست مرسلا } أي: يكذبونك، ويكذبون ما أرسلت به، { قل } لهم - إن طلبوا على ذلك شهيدا: { كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } وشهادته بقوله وفعله وإقراره، أما قوله فبما أوحاه الله إلى أصدق خلقه، مما يثبت به رسالته. وأما فعله فلأن الله تعالى أيد رسوله، ونصره نصرا خارجا عن قدرته وقدرة أصحابه وأتباعه، وهذا شهادة منه له بالفعل والتأييد. وأما إقراره، فإنه أخبر الرسول عنه أنه رسوله، وأنه أمر الناس باتباعه، فمن اتبعه فله رضوان الله وكرامته، ومن لم يتبعه فله النار والسخط وحل له ماله ودمه، والله يقره على ذلك، فلو تقول عليه بعض الأقاويل لعاجله بالعقوبة. { ومن عنده علم الكتاب } وهذا شامل لكل علماء أهل الكتابين، فإنهم يشهدون للرسول، من آمن، واتبع الحق، صرح بتلك الشهادة التي عليه، ومن كتم ذلك، فإخبار الله عنه أن عنده شهادة، أبلغ من خبره، ولو لم يكن عنده شهادة، لرد استشهاده بالبرهان، فسكوته يدل على أن عنده شهادة مكتومة. وإنما أمر الله باستشهاد أهل الكتاب، لأنهم أهل هذا الشأن، وكل أمر إنما يستشهد فيه أهله، ومن هم أعلم به من غيرهم، بخلاف من هو أجنبي عنه، كالأميين من مشركي العرب وغيرهم، فلا فائدة في استشهادهم لعدم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وكان سعيد بن جبير ينكر أن يكون المراد بها عبد الله بن سلام، ويقول: هي مكية، وكان يقرؤها: "ومن عنده علم الكتاب"، ويقول: من عند الله. وكذا قرأها مجاهد والحسن البصري. وقد روى ابن جرير من حديث، هارون الأعور، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها: ""ومن عنده علم الكتاب"، ثم قال: لا أصل له من حديث الزهري عند الثقات. (1) قلت: وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده، من طريق هارون بن موسى هذا، عن سليمان بن أرقم -وهو ضعيف -عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعا كذلك. ولا يثبت. (2) والله أعلم والصحيح في هذا: أن {ومن عنده} اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتبهم المتقدمة، من بشارات الأنبياء به، كما قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} الآية [الأعراف: 156، 157] وقال تعالى: {أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} الآية: [الشعراء: 197] . وأمثال ذلك مما فيه الإخبار عن علماء بني إسرائيل: أنهم يعلمون ذلك من كتبهم المنزلة. وقد ورد في حديث الأحبار، عن عبد الله بن سلام بأنه أسلم بمكة قبل الهجرة. قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب "دلائل النبوة"، وهو كتاب جليل: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن حمزة بن يوسف، بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، أن عبد الله بن سلام قال لأحبار اليهود: إني أردت أن أجدد (3) بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل عهدا (4) فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، فوافاهم وقد انصرفوا من الحج، فوجد رسول الله، بمنى، والناس حوله، فقام مع الناس، فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنت عبد الله …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

حسبي الله {شهيدا} [البقرة: 143] يعني شاهدا، {بيني وبينكم} [الأنعام: 19] علي وعليكم بصدقي وكذبكم، {ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] PageEndV13P582 فمن إذا قرئ به كذلك في موضع خفض عطفا به على اسم الله، وكذلك قرأ قرأة الأمصار بمعنى: والذين عندهم علم الكتاب الكتب التي نزلت قبل القرآن كالتوراة والإنجيل، وعلى هذه القراءة فسر ذلك المفسرون

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٥٨١) ↗

التحرير والتنوير

ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (43) عطف على ما تضمنته جملة وقد مكر الذين من قبلهم [الرعد: 42] من التعريض بأن قولهم: لولا أنزل عليه آية من ربه [سورة الأنعام: 37] ضرب من المكر بإظهارهم أنهم يتطلبون الآيات الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، مظهرين أنهم في شك من صدقه وهم يبطنون التصميم على التكذيب. فذكرت هذه الآية أنهم قد أفصحوا تارات بما أبطنوه فنطقوا بصريح التكذيب وخرجوا من طور المكر إلى طور المجاهرة بالكفر فقالوا: لست مرسلا. وقد حكي قولهم بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم ولاستحضار حالهم العجيبة من الاستمرار على التكذيب بعد أن رأوا دلائل الصدق، كما عبر بالمضارع في قوله تعالى: ويصنع الفلك [سورة هود: 38] وقوله: يجادلنا في قوم لوط [سورة هود: 11] . ولما كانت مقالتهم المحكية هنا صريحة لا مواربة فيها أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بجواب لا جدال فيه وهو تحكيم الله بينه وبينهم. وقد أمر الرسول- عليه الصلاة والسلام- بأن يجيبهم جواب الواثق بصدقه المستشهد على ذلك بشهادة الصدق من إشهاد الله تعالى وإشهاد العالمين بالكتب والشرائع. ولما كانت الشهادة للرسول- عليه الصلاة والسلام- بالصدق شهادة على الذين كفروا بأنهم كاذبون جعلت الشهادة بينه وبينهم. وإشهاد الله في معنى الحلف على الصدق كقول هود- عليه السلام- إني أشهد الله [هود: 54] . والباء الداخلة على اسم الجلالة الذي هو فاعل كفى في المعنى للتأكيد

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/١٧٥) ↗