سورة يوسف · الآية ٤٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { و } لما دخل يوسف السجن، كان في جملة من { دخل معه السجن فتيان } أي: شابان، فرأى كل واحد منهما رؤيا، فقصها على يوسف ليعبرها، ف { قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا } وذلك الخبز { تأكل الطير منه نبئنا بتأويله } أي: بتفسيره، وما يؤول إليه أمرهما، وقولهما: { إنا نراك من المحسنين } أي: من أهل الإحسان إلى الخلق، فأحسن إلينا في تعبيرك لرؤيانا، كما أحسنت إلى غيرنا، فتوسلا ليوسف بإحسانه. ف { قال } لهما مجيبا لطلبتهما: { لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما } أي: فلتطمئن قلوبكما، فإني سأبادر إلى تعبير رؤياكما، فلا يأتيكما غداؤكما أو عشاؤكما، أول ما يجيء إليكما، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما. ولعل يوسف عليه الصلاة والسلام قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي بدت حاجتهما إليه، ليكون أنجع لدعوته، وأقبل لهما. ثم قال: { ذلكما } التعبير الذي سأعبره لكما { مما علمني ربي } أي: هذا من علم الله علمنيه وأحسن إلي به، وذلك { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون } والترك كما يكون للداخل في شيء ثم ينتقل عنه، يكون لمن لم يدخل فيه أصلا. فلا يقال: إن يوسف كان من قبل، على غير ملة إبراهيم. { واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب } ثم فسر تلك الملة بقوله: { ما كان لنآ } أي: ما ينبغي ولا يليق بنا { أن نشرك بالله من شيء } بل نفرد الله بالتوحيد، ونخلص له الدين والعبادة. { ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس } أي: هذا من أفضل مننه وإحسانه وفضله علينا، وعلى من هداه الله كما هدانا، فإنه لا أفضل من منة الله على العباد بالإسلام والدين القويم، فمن قبله وانقاد له فهو حظه، وقد حصل له أكبر النعم وأجل الفضائل. { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } فلذلك تأتيهم المنة والإحسان، فلا يقبلونها ولا يقومون لله بحقه، وفي هذا من الترغيب للطريق …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
[أي] (1) الذي ولى (2) كل شيء بعز جلاله، وعظمة (3) سلطانه. ثم بين لهما أن التي يعبدونها ويسمونها آلهة، إنما هو جهل (4) منهم، وتسمية من تلقاء أنفسهم، تلقاها خلفهم عن سلفهم، وليس لذلك مستند من عند الله؛ ولهذا قال: {ما أنزل الله بها من سلطان} أي: حجة ولا برهان. ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده قاطبة ألا يعبدوا إلا إياه، ثم قال: ذلك الدين القيم أي: هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله، وإخلاص العمل له، هو الدين المستقيم، الذي أمر الله به وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: فلهذا كان أكثرهم مشركين. {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] . وقد قال ابن جريج: إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا، لأنه عرف أنها ضارة لأحدهما، فأحب أن يشغلهما بغير ذلك، لئلا يعاودوه فيها، فعاودوه، فأعاد عليهم الموعظة. (5) وفي هذا الذي قاله نظر؛ لأنه قد وعدهما أولا بتعبيرها (6) ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة وسببا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام، لما رأى في سجيتهما من قبول الخير والإقبال عليه، والإنصات إليه، ولهذا لما فرغ من دعوتهما، شرع في تعبير رؤياهما، من غير تكرار سؤال فقال: يقول لهما: {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا} وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا، ولكنه لم يعينه لئلا يحزن ذاك، ولهذا أبهمه في قوله: {وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا. ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت. وقال الثوري، عن عمارة بن القعقاع عن إبراهيم، عن عبد الله قال: لما قالا ما قالا وأخبرهما، قالا ما رأينا شيئا. فقال: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان}
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٩٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تعبدون} [البقرة: 133] وقد ابتدأ الخطاب بخطاب اثنين، فقال: {يا صاحبي السجن} [يوسف: 39] لأنه قصد المخاطب به ومن هو على الشرك بالله مقيم من أهل مصر، فقال للمخاطب بذلك: ما تعبد أنت ومن هو على مثل ما أنت عليه من عبدة الأوثان {إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} [يوسف: 40] ، وذلك تسميتهم أوثانهم آلهة أربابا، شركا منهم وتشبيها لها في أسمائها التي سموها بها بالله، تعالى عن أن يكون له مثل أو شبيه. {ما أنزل الله بها من سلطان} [يوسف: 40] يقول: سموها بأسماء لم يأذن لهم بتسميتها، ولا وضع لهم على أن تلك الأسماء أسماؤها دلالة ولا حجة، ولكنها اختلاق منهم لها وافتراء
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/١٦٥) ↗التحرير والتنوير
حصول هذا العلم، فأخبر بأن سبب عناية الله به أنه انفرد في ذلك المكان بتوحيد الله وترك ملة أهل المدينة، فأراد الله اختياره لديهم، ويجوز كون الجملة تعليلا. والملة: الدين، تقدم في قوله: دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا في سورة الأنعام [161] . وأراد بالقوم الذين لا يؤمنون بالله ما يشمل الكنعانيين الذين نشأ فيهم والقبط الذين شب بينهم، كما يدل عليه قوله: ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها [سورة يوسف: 39] ، أو أراد الكنعانيين خاصة، وهم الذين نشأ فيهم تعريضا بالقبط الذين ماثلوهم في الإشراك. وأراد بهذا أن لا يواجههم بالتشنيع استنزالا لطائر نفورهم من موعظته. وزيادة ضمير الفصل في قوله: هم كافرون أراد به تخصيص قوم منهم بذلك وهم الكنعانيون، لأنهم كانوا ينكرون البعث مثل كفار العرب. وأراد بذلك إخراج القبط لأن القبط وإن كانوا مشركين فقد كانوا يثبتون بعث الأرواح والجزاء. والترك: عدم الأخذ للشيء مع إمكانه. أشار به إلى أنه لم يتبع ملة القبط مع حلوله بينهم، وكون مولاه متدينا بها. وذكر آباءه تعليما بفضلهم، وإظهارا لسابقية الصلاح فيه، وأنه متسلسل من آبائه، وقد عقله من أول نشأته ثم تأيد بما علمه ربه فحصل له بذلك الشرف العظامي والشرف العصامي. ولذلك قال النبيء صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أكرم الناس: «يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبيء ابن نبيء ابن نبيء ابن نبيء» . ومثل هذه السلسلة في النبوءة لم يجتمع لأحد غير يوسف- عليه السلام- إذا كان المراد بالنبوءة أكملها وهو الرسالة، أو إذا كان إخوة يوسف- عليه السلام- غير أنبياء على رأي فريق من العلماء.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٧٢) ↗