سورة يوسف · الآية ٣٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد، وتحدث به النسوة فجعلن يلمنها، ويقلن: { امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا } أي: هذا أمر مستقبح، هي امرأة كبيرة القدر، وزوجها كبير القدر، ومع هذا لم تزل تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه، ومع هذا فإن حبه قد بلغ من قلبها مبلغا عظيما. { قد شغفها حبا } أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وهو باطنه وسويداؤه، وهذا أعظم ما يكون من الحب، { إنا لنراها في ضلال مبين } حيث وجدت منها هذه الحالة التي لا تنبغي منها، وهي حالة تحط قدرها وتضعه عند الناس، وكان هذا القول منهن مكرا، ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، وإنما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فتنت به امرأة العزيز لتحنق امرأة العزيز، وتريهن إياه ليعذرنها، ولهذا سماه مكرا، فقال: { فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن } تدعوهن إلى منزلها للضيافة. { وأعتدت لهن متكئا } أي: محلا مهيأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة، وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة طعام يحتاج إلى سكين، إما أترج، أو غيره، { وآتت كل واحدة منهن سكينا } ليقطعن فيها ذلك الطعام { وقالت } ليوسف: { اخرج عليهن } في حالة جماله وبهائه. { فلما رأينه أكبرنه } أي: أعظمنه في صدورهن، ورأين منظرا فائقا لم يشاهدن مثله، { وقطعن } من الدهش { أيديهن } بتلك السكاكين اللاتي معهن، { وقلن حاش لله } أي: تنزيها لله { ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم } وذلك أن يوسف أعطي من الجمال الفائق والنور والبهاء، ما كان به آية للناظرين، وعبرة للمتأملين. فلما تقرر عندهن جمال يوسف الظاهر، وأعجبهن غاية، وظهر منهن من العذر لامرأة العزيز، شيء كثير - أرادت أن تريهن جماله الباطن بالعفة التامة فقالت معلنة لذلك ومبينة لحبه الشديد غير مبالية، ولأن اللوم انقطع عنها من النسوة: { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } أي: امتنع وهي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} [آل عمران: 173] وقيل: إن قائل ذلك كان واحدا. وقيل: معنى قوله: {ثم بدا لهم} [يوسف: 35] في الرأي الذي كانوا رأوه من ترك يوسف مطلقا، ورأوا أن يسجنوه {من بعد ما رأوا الآيات} [يوسف: 35] ببراءته مما قذفته به امرأة العزيز. وتلك الآيات كانت: قد القميص من دبر، وخمشا في الوجه، وقطع أيديهن
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/١٤٧) ↗التحرير والتنوير
وعطف جملة فاستجاب بفاء التعقيب إشارة إلى أن الله عجل إجابة دعائه الذي تضمنه قوله: وإلا تصرف عني كيدهن. واستجاب: مبالغة في أجاب، كما تقدم في قوله: فاستعصم [سورة يوسف: 32] . وصرف كيدهن عنه صرف أثره، وذلك بأن ثبته على العصمة فلم ينخدع لكيدها ولا لكيد خلائلها في أضيق الأوقات. وجملة إنه هو السميع العليم في موضع العلة ل فاستجاب المعطوف بفاء التعقيب، أي أجاب دعاءه بدون مهلة لأنه سريع الإجابة وعليم بالضمائر الخالصة. فالسمع مستعمل في إجابة المطلوب، يقال: سمع الله لمن حمده. وتأكيده بضمير الفصل لتحقيق ذلك المعنى. [35] 35] ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) ثم هنا للترتيب الرتبي، كما هو شأنها في عطف الجمل فإن ما بدا لهم أعجب بعد ما تحققت براءته. وإنما بدا لهم أن يسجنوا يوسف- عليه السلام- حين شاعت القالة عن امرأة العزيز في شأنه فكان ذلك عقب انصراف النسوة لأنها خشيت إن هن انصرفن أن تشيع القالة في شأنها وشأن براءة يوسف- عليه السلام- فرامت أن تغطي ذلك بسجن يوسف- عليه السلام- حتى يظهر في صورة المجرمين بإرادته السوء بامرأة العزيز، وهي ترمي بذلك إلى تطويعه لها. ولعلها أرادت أن توهم الناس بأن مراودته إياها وقعت يوم ذلك المجمع، وأن توهم أنهن شواهد على يوسف- عليه السلام-. والضمير في لهم لجماعة العزيز من مشير وآمر. وجملة ليسجننه جواب قسم محذوف، وهي معلقة فعل بدا عن العمل فيما بعده لأجل لام القسم لأن ما بعد لام القسم كلام مستأنف. وفيه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٦٧) ↗