سورة يوسف · الآية ٣٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد، وتحدث به النسوة فجعلن يلمنها، ويقلن: { امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا } أي: هذا أمر مستقبح، هي امرأة كبيرة القدر، وزوجها كبير القدر، ومع هذا لم تزل تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه، ومع هذا فإن حبه قد بلغ من قلبها مبلغا عظيما. { قد شغفها حبا } أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وهو باطنه وسويداؤه، وهذا أعظم ما يكون من الحب، { إنا لنراها في ضلال مبين } حيث وجدت منها هذه الحالة التي لا تنبغي منها، وهي حالة تحط قدرها وتضعه عند الناس، وكان هذا القول منهن مكرا، ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، وإنما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فتنت به امرأة العزيز لتحنق امرأة العزيز، وتريهن إياه ليعذرنها، ولهذا سماه مكرا، فقال: { فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن } تدعوهن إلى منزلها للضيافة. { وأعتدت لهن متكئا } أي: محلا مهيأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة، وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة طعام يحتاج إلى سكين، إما أترج، أو غيره، { وآتت كل واحدة منهن سكينا } ليقطعن فيها ذلك الطعام { وقالت } ليوسف: { اخرج عليهن } في حالة جماله وبهائه. { فلما رأينه أكبرنه } أي: أعظمنه في صدورهن، ورأين منظرا فائقا لم يشاهدن مثله، { وقطعن } من الدهش { أيديهن } بتلك السكاكين اللاتي معهن، { وقلن حاش لله } أي: تنزيها لله { ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم } وذلك أن يوسف أعطي من الجمال الفائق والنور والبهاء، ما كان به آية للناظرين، وعبرة للمتأملين. فلما تقرر عندهن جمال يوسف الظاهر، وأعجبهن غاية، وظهر منهن من العذر لامرأة العزيز، شيء كثير - أرادت أن تريهن جماله الباطن بالعفة التامة فقالت معلنة لذلك ومبينة لحبه الشديد غير مبالية، ولأن اللوم انقطع عنها من النسوة: { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } أي: امتنع وهي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
نفسها، {قد شغفها حبا} أي قد: وصل حبه إلى شغاف قلبها. وهو غلافه. قال الضحاك عن ابن عباس: الشغف: الحب القاتل، والشغف دون ذلك، والشغاف: حجاب القلب. {إنا لنراها في ضلال مبين} أي: في صنيعها هذا من حبها فتاها، ومراودتها إياه عن نفسه. {فلما سمعت بمكرهن} قال بعضهم: بقولهن. وقال محمد بن إسحاق: بل (1) بلغهن حسن يوسف، فأحببن أن يرينه، فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته، فعند ذلك {أرسلت إليهن} أي: دعتهن إلى منزلها لتضيفهن {وأعتدت لهن متكأ} قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، والسدي، وغيرهم: هو المجلس المعد، فيه مفارش ومخاد وطعام، فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج (2) ونحوه. ولهذا قال تعالى: {وآتت كل واحدة منهن سكينا} وكان هذا مكيدة منها، ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته، {وقالت اخرج عليهن} وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر، {فلما} خرج و {رأينه أكبرنه} أي: أعظمن شأنه، وأجللن قدره؛ وجعلن يقطعن أيديهن دهشا برؤيته، وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج (3) بالسكاكين، والمراد: أنهن حززن أيديهن بها، قاله غير واحد. وعن مجاهد، وقتادة: قطعن أيديهن حتى ألقينها، فالله (4) أعلم. وقد ذكر عن زيد بن أسلم أنها قالت لهن بعدما أكلن وطابت أنفسهن، ثم وضعت بين أيديهن أترجا (5) وآتت كل واحدة منهن سكينا: هل لكن في النظر إلى يوسف؟ قلن: نعم. فبعثت إليه تأمره أن اخرج إليهن (6) فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن، ثم أمرته أن يرجع فرجع ليرينه مقبلا ومدبرا، وهن يحززن في أيديهن، فلما أحسسن بالألم جعلن يولولن، فقالت: أنتن من نظرة واحدة فعلتن هكذا، فكيف ألام أنا؟ فقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم، ثم قلن لها: وما نرى عليك من لوم بعد الذي رأينا، لأنهن لم يرين في البشر شبهه ولا قريبا منه، فإنه، صلوات الله عليه وسلم (7) كان قد أعطي شطر الحسن، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء: أن رسول الله صلى الله عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
منه إلى ربه مما لقي منهن، وفي قوله: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} [يوسف: 33] معنى دعاء ومسألة منه ربه صرف كيدهن، ولذلك قال الله تعالى ذكره: {فاستجاب له ربه} [يوسف: 34] وذلك كقول القائل لآخر: إن لا تزرني أهنك، فيجيبه الآخر: إذن أزورك، لأن في قوله: إن لا تزرني أهنك، معنى الأمر بالزيارة. وتأويل الكلام: فاستجاب الله ليوسف دعاءه، فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/١٤٦) ↗التحرير والتنوير
قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين في سورة البقرة [67] ، وقوله: وكونوا مع الصادقين في آخر سورة براءة [119] . وإعداد المتكأ لهن، وبوحها بسرها لهن يدل على أنهن كن من خلائلها. [33، 34] قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) استئناف بياني، لأن ما حكي قبله مقام شدة من شأنه أن يسأل سامعه عن حال تلقي يوسف- عليه السلام- فيه لكلام امرأة العزيز. وهذا الكلام مناجاة لربه الذي هو شاهدهم، فالظاهر أنه قال هذا القول في نفسه. ويحتمل أنه جهر به في ملئهن تأييسا لهن من أن يفعل ما تأمره به. وقرأ الجمهور «السجن» - بكسر السين-. وقرأه يعقوب وحده- بفتح السين- على معنى المصدر، أي إن السجن أحب إلي. وفضل السجن مع ما فيه من الألم والشدة وضيق النفس على ما يدعونه إليه من الاستمتاع بالمرأة الحسنة النفيسة على ما فيه منا للذة ولكن كرهه لفعل الحرام فضل عنده مقاساة السجن. فلما علم أنه لا محيص من أحد الأمرين صار السجن محبوبا إليه باعتبار أنه يخلصه من الوقوع في الحرام فهي محبة ناشئة عن ملاءمة الفكر، كمحبة الشجاع الحرب. فالإخبار بأن السجن أحب إليه من الاستمتاع بالمرأة مستعمل في إنشاء الرضى بالسجن في مرضاة الله تعالى والتباعد عن محارمه، إذ لا فائدة في إخبار من يعلم ما في نفسه فاسم التفضيل على حقيقته ولا داعي إلى تأويله بمسلوب المفاضلة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٦٥) ↗