البيانابحثاسألالموضوعات

سورة يوسف · الآية ١٧

﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: لما ذهب إخوة يوسف بيوسف بعد ما أذن له أبوه، وعزموا على أن يجعلوه في غيابة الجب، كما قال قائلهم السابق ذكره، وكانوا قادرين على ما أجمعوا عليه، فنفذوا فيه قدرتهم، وألقوه في الجب، ثم إن الله لطف به بأن أوحى إليه وهو في تلك الحال الحرجة، { لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } أي: سيكون منك معاتبة لهم، وإخبار عن أمرهم هذا، وهم لا يشعرون بذلك الأمر، ففيه بشارة له، بأنه سينجو مما وقع فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العز والتمكين له في الأرض. { وجآءوا أباهم عشآء يبكون } ليكون إتيانهم متأخرا عن عادتهم، وبكاؤهم دليلا لهم، وقرينة على صدقهم، فقالوا - متعذرين بعذر كاذب -، { يأبانآ إنا ذهبنا نستبق } إما على الأقدام، أو بالرمي والنضال، { وتركنا يوسف عند متاعنا } توفيرا له وراحة، { فأكله الذئب } في حال غيبتنا عنه في استباقنا { ومآ أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين } أي: تعذرنا بهذا العذر، والظاهر أنك لا تصدقنا لما في قلبك من الحزن على يوسف، والرقة الشديدة عليه. ولكن عدم تصديقك إيانا، لا يمنعنا أن نعتذر بالعذر الحقيقي، وكل هذا تأكيد لعذرهم، { و } مما أكدوا به قولهم، أنهم { وجآءوا على قميصه بدم كذب } زعموا أنه دم يوسف حين أكله الذئب، فلم يصدقهم أبوهم بذلك، و { قال }: { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } أي: زينت لكم أنفسكم أمرا قبيحا في التفريق بيني وبينه، لأنه رأى من القرائن والأحوال [ومن رؤيا يوسف التي قصها عليه] ما دله على ما قال. { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } أي: أما أنا فوظيفتي سأحرص على القيام بها، وهي أني أصبر على هذه المحنة صبرا جميلا، سالما من السخط والتشكي إلى الخلق، وأستعين الله على ذلك، لا على حولي وقوتي، فوعد من نفسه هذا الأمر وشكى إلى خالقه في قوله: إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله [يوسف: 86] لأن الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل، لأن النبي إذا وعد وفى.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يوسف ١٥–١٨) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى مخبرا عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعدما ألقوه في غيابة الجب: أنهم (1) رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون، ويظهرون الأسف والجزع على يوسف ويتغممون لأبيهم، وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا: {إنا ذهبنا نستبق} أي: نترامى، {وتركنا يوسف عند متاعنا} أي: ثيابنا وأمتعتنا، {فأكله الذئب} وهو الذي كان [قد] (2) جزع منه، وحذر عليه. وقولهم: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه، يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا -والحالة هذه -لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك، لأنك خشيت أن يأكله الذئب، فأكله الذئب، فأنت معذور في تكذيبك لنا؛ لغرابة ما وقع، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا. {وجاءوا على قميصه بدم كذب} أي: مكذوب مفترى. وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالئوا عليه من المكيدة، وهو أنهم عمدوا إلى سخلة -فيما ذكره مجاهد، والسدي، وغير واحد -فذبحوها، ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه، فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب، بل قال لهم معرضا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من تمالئهم عليه: {بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل} أي: فسأصبر صبرا جميلا على هذا الأمر الذي قد اتفقتم عليه، حتى يفرجه الله بعونه ولطفه، {والله المستعان على ما تصفون} أي: على ما تذكرون من الكذب والمحال. وقال الثوري، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وجاءوا على قميصه بدم كذب} قال: لو أكله السبع لخرق القميص. وكذا قال الشعبي، والحسن، وقتادة، وغير واحد. وقال مجاهد: الصبر الجميل: الذي لا جزع فيه. وروى هشيم، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {فصبر جميل} فقال: "صبر لا شكوى (3) فيه" وهذا مرسل (4) . وقال عبد الرزاق: قال الثوري عن بعض أصحابه أنه قال: ثلاث من الصبر: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٣٣) ↗

التحرير والتنوير

عليه السلام-، إشعارا بالتعريض، وذلك في قوله: وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون [سورة يوسف: 13] . وجملة وهم لا يشعرون على هذا التقدير حال من ضمير جمع الغائبين، أي وهم لا يشعرون أننا أوحينا إليه بذلك. وهذا الجب الذي ألقي فيه يوسف- عليه السلام- وقع في التوراة أنه في أرض (دوثان) ، ودوثان كانت مدينة حصينة وصارت خرابا. والمراد: أنه كانت حوله صحراء هي مرعى ومربع. ووصف الجب يقتضي أنه على طريق القوافل. واتفق واصفو الجب على أنه بين (بانياس) و (طبرية) . وأنه على اثني عشر ميلا من طبرية مما يلي دمشق، وأنه قرب قرية يقال لها (سنجل أو سنجيل) . قال قدامة: هي طريق البريد بين بعلبك وطبرية. ووصفها المتأخرون بالضبط المأخوذ من الأوصاف التاريخية القديمة أنه الطريق الكبرى بين الشام ومصر. وكانت تجتاز الأردن تحت بحيرة طبرية وتمر على (دوثان) وكانت تسلكها قوافل العرب التي تحمل الأطياب إلى المشرق، وفي هذه الطريق جباب كثيرة في (دوثان) . وجب يوسف معروف بين طبرية وصفد، بنيت عليه قبة في زمن الدولة الأيوبية بحسب التوسم وهي قائمة إلى الآن. [16- 18] وجاؤ أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) وجاؤ على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (18) وجاؤ أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) وجاؤ على قميصه بدم كذب عطف على جملة فلما ذهبوا به [سورة يوسف: 15] عطف على جملة فلما ذهبوا به عطف جزء القصة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٣٥) ↗