البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة يوسف · الآية ١١١

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى: أنه يرسل الرسل الكرام، فيكذبهم القوم المجرمون اللئام، وأن الله تعالى يمهلهم ليرجعوا إلى الحق، ولا يزال الله يمهلهم حتى إنه تصل الحال إلى غاية الشدة منهم على الرسل. حتى إن الرسل - على كمال يقينهم، وشدة تصديقهم بوعد الله ووعيده - ربما أنه يخطر بقلوبهم نوع من الإياس، ونوع من ضعف العلم والتصديق، فإذا بلغ الأمر هذه الحال { جآءهم نصرنا فنجي من نشآء } وهم الرسل وأتباعهم، { ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } أي: ولا يرد عذابنا، عمن اجترم، وتجرأ على الله فما له من قوة ولا ناصر [الطارق: 10]. { لقد كان في قصصهم } أي: قصص الأنبياء والرسل مع قومهم، { عبرة لأولي الألباب } أي: يعتبرون بها، أهل الخير وأهل الشر، وأن من فعل مثل فعلهم ناله ما نالهم من كرامة أو إهانة، ويعتبرون بها أيضا، ما لله من صفات الكمال والحكمة العظيمة، وأنه الله الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له. وقوله: { ما كان حديثا يفترى } أي: ما كان هذا القرآن الذي قص الله به عليكم من أنباء الغيب ما قص من الأحاديث المفتراة المختلقة، { ولكن } كان { تصديق الذي بين يديه } من الكتب السابقة، يوافقها ويشهد لها بالصحة، { وتفصيل كل شيء } يحتاج إليه العباد من أصول الدين وفروعه، ومن الأدلة والبراهين. { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } فإنهم - بسبب ما يحصل لهم به من العلم بالحق وإيثاره - يحصل لهم الهدى، وبما يحصل لهم من الثواب العاجل والآجل تحصل لهم الرحمة. فصل في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها هذه القصة العظيمة التي قال الله في أولها نحن نقص عليك أحسن القصص [يوسف: 3] وقال لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين [يوسف: 7] وقال في آخرها { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } [يوسف: 111] غير ما تقدم في مطاويها من الفوائد. فمن ذلك، أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها، لما فيها من أنواع التنقلات، من حال إلى حال، ومن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف أنجينا (1) المؤمنين وأهلكنا الكافرين {عبرة لأولي الألباب} وهي العقول، {ما كان حديثا يفترى} أي: وما كان لهذا القرآن أن يفترى من دون الله، أي: يكذب ويختلق، {ولكن تصديق الذي بين يديه} أي: من الكتب المنزلة من السماء، وهو يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير، {وتفصيل كل شيء} من تحليل وتحريم، ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور على الجلية، وعن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرب تبارك وتعالى بالأسماء والصفات، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقات، فلهذا كان: {هدى ورحمة لقوم يؤمنون} تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ومن الضلالة إلى السداد، ويبتغون به الرحمة من رب العباد، في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد. فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا والآخرة، يوم يفوز بالربح المبيضة وجوههم الناضرة، ويرجع (2) المسودة وجوههم بالصفقة الخاسرة. آخر تفسير سورة يوسف، ولله الحمد والمنة وبه المستعان وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٤٢٧) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

بها، وذلك أن الله جل ثناؤه بعد أن ألقي يوسف في الجب ليهلك، ثم بيع بيع العبيد بالخسيس من الثمن، وبعد الإسار والحبس الطويل، ملكه مصر، ومكن له في الأرض، وأعلاه على من بغاه سوءا من إخوته، وجمع بينه وبين والديه وإخوته بقدرته بعد المدة الطويلة، وجاء بهم إليه من الشقة النائية البعيدة، فقال جل ثناؤه للمشركين من قريش من قوم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لقد كان لكم أيها القوم في قصصهم عبرة لو اعتبرتم به أن الذي فعل ذلك بيوسف وإخوته لا يتعذر عليه أن يفعل مثله بمحمد صلى الله عليه وسلم،

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٤٠١) ↗

التحرير والتنوير

وتقديم الضمير على الخبر الفعلي يفيد الاختصاص، أي نحن نقص لا غيرنا، ردا على من يطعن من المشركين في القرآن بقولهم: إنما يعلمه بشر [سورة النحل: 103] وقولهم: أساطير الأولين اكتتبها [سورة الفرقان: 5]- وقولهم: يعلمه رجل من أهل اليمامة اسمه الرحمان. وقول النضر بن الحارث المتقدم ديباجة تفسير هذه السورة. وفي هذا الاختصاص توافق بين جملة البدل والجملة المبدل منها في تأكيد كون القرآن من عند الله المفاد بقوله: إنا أنزلناه قرآنا عربيا [سورة يوسف: 2] . ومعنى نقص نخبر الأخبار السالفة. وهو منقول من قص الأثر إذا تتبع مواقع الأقدام ليتعرف منتهى سير صاحبها. ومصدره: القص بالإدغام، والقصص بالفك. قال تعالى: فارتدا على آثارهما قصصا [سورة الكهف: 64] . وذلك أن حكاية أخبار الماضين تشبه اتباع خطاهم، ألا ترى أنهم سموا الأعمال سيرة وهي في الأصل هيئة السير، وقالوا: سار فلان سيرة فلان، أي فعل مثل فعله، وقد فرقوا بين هذا الإطلاق المجازي وبين قص الأثر فخصوا المجازي بالصدر المفكك وغلبوا المصدر المدغم على المعنى الحقيقي مع بقاء المصدر المفكك أيضا كما في قوله: فارتدا على آثارهما قصصا. ف أحسن القصص هنا إما مفعول مطلق مبين لنوع فعله، وإما أن يكون القصص بمعنى المفعول من إطلاق المصدر وإرادة المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق، وهو إطلاق للقصص شائع أيضا. قال تعالى: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب [سورة يوسف: 111] . وقد يكون وزن فعل بمعنى المفعول كالنبأ والخبر بمعنى المنبأ به والمخبر به، ومثله الحسب والنقض. وجعل هذا القصص أحسن القصص لأن بعض القصص لا يخلو عن حسن ترتاح له النفوس. وقصص القرآن أحسن من قصص غيره من جهة حسن نظمه وإعجاز أسلوبه وبما يتضمنه من العبر والحكم، فكل قصص في القرآن هو أحسن القصص في بابه، وكل قصة في القرآن هي أحسن من كل ما يقصه

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٠٣) ↗