سورة هود · الآية ٩٢
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإلى مدين أخاهم شعيبا } إلى آخر القصة أي: { و } أرسلنا { إلى مدين } القبيلة المعروفة الذين يسكنون مدين، في أدنى فلسطين { أخاهم } في النسب { شعيبا } لأنهم يعرفونه، وليتمكنوا من الأخذ عنه. ف { قال } لهم: { يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } أي: أخلصوا له العبادة، فإنهم كانوا يشركون به، وكانوا - مع شركهم - يبخسون المكيال والميزان، ولهذا نهاهم عن ذلك فقال: { ولا تنقصوا المكيال والميزان } بل أوفوا الكيل والميزان بالقسط. { إني أراكم بخير } أي: بنعمة كثيرة وصحة، وكثرة أموال وبنين، فاشكروا الله على ما أعطاكم، ولا تكفروا بنعمة الله فيزيلها عنكم. { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } أي: عذابا يحيط بكم، ولا يبقي منكم باقية. { ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط } أي: بالعدل الذي ترضون أن تعطوه، { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم } أي: لا تنقصوا من أشياء الناس، فتسرقوها بأخذها بنقص المكيال والميزان. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } فإن الاستمرار على المعاصي، يفسد الأديان، والعقائد، والدين، والدنيا، ويهلك الحرث والنسل. { بقيت الله خير لكم } أي: يكفيكم ما أبقى الله لكم من الخير، وما هو لكم، فلا تطمعوا في أمر لكم عنه غنية، وهو ضار لكم جدا. { إن كنتم مؤمنين } فاعملوا بمقتضى الإيمان، { ومآ أنا عليكم بحفيظ } أي: لست بحافظ لأعمالكم ووكيل عليها، وإنما الذي يحفظها الله تعالى، وأما أنا فأبلغكم ما أرسلت به. { قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ } أي: قالوا ذلك على وجه التهكم بنبيهم، والاستبعاد لإجابتهم له. ومعنى كلامهم: أنه لا موجب لنهيك لنا، إلا أنك تصلي لله وتتعبد له، أفإن كنت كذلك، أفيوجب لنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق لك، فكيف نتبعك ونترك آباءنا الأقدمين أولي العقول والألباب؟! وكذلك لا يوجب قولك لنا: { أن نفعل في أموالنا } ما قلت لنا من وفاء الكيل والميزان، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
[وقال السدي: {وإنا لنراك فينا ضعيفا} قال: أنت واحد] (1) . [وقال أبو روق: {وإنا لنراك فينا ضعيفا} يعنون: ذليلا؛ لأن عشيرتك ليسوا على دينك، فأنت ذليل ضعيف] (2) . {ولولا رهطك} أي: قومك وعشيرتك؛ لولا معزة قومك علينا لرجمناك، قيل (3) بالحجارة، وقيل: لسببناك، {وما أنت علينا بعزيز} أي: ليس لك عندنا معزة. {قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله} يقول: أتتركوني لأجل قومي، ولا تتركوني إعظاما لجناب الله أن تنالوا نبيه بمساءة. وقد اتخذتم جانب الله {وراءكم ظهريا} أي: نبذتموه خلفكم، لا تطيعونه ولا تعظمونه، {إن ربي بما تعملون محيط} أي: هو يعلم جميع أعمالكم وسيجزيكم بها. لما يئس نبي الله شعيب من استجابة قومه له، قال: يا قوم، {اعملوا على مكانتكم} أي: على طريقتكم، وهذا تهديد ووعيد شديد، {إني عامل} على طريقتي ومنهجي {سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} أي: في الدار الآخرة، {ومن هو كاذب} أي: مني ومنكم، {وارتقبوا} أي: انتظروا {إني معكم رقيب} . قال الله تعالى: {ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا} وهم قومه، {الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين} وقوله {جاثمين} أي: هامدين لا حراك بهم. وذكر هاهنا أنه أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء عذاب يوم الظلة، وهم أمة واحدة، اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها. وإنما ذكر في كل سياق ما يناسبه، ففي الأعراف لما قالوا: {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا} [الأعراف:88] ، ناسب أن يذكر هناك الرجفة، فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها، وأرادوا إخراج نبيهم منها، وهاهنا لما أساءوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ناسب ذكر الصيحة التي أسكتتهم (4) وأخمدتهم، وفي الشعراء لما قالوا: {فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين} [الشعراء:189] ، قال {فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم} [الشعراء:189] ، وهذا من الأسرار الغريبة الدقيقة، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وجدنا بني البرصاء من ولد الظهر بمعنى: أنهم يظهرون بحوائج الناس فلا يلتفتون إليها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، " {قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا} [هود: 92] وذلك أن قوم شعيب، ورهطه كانوا أعز عليهم من الله، وصغر شأن الله عندهم عز ربنا وجل ثناؤه " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس، " {واتخذتموه وراءكم ظهريا} [هود: 92] قال: قفا " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا} [هود: 92] يقول: عززتم قومكم، وأظهرتم بربكم " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {واتخذتموه وراءكم ظهريا} [هود: 92] قال: لم تراقبوه في شيء إنما تراقبون قومي {واتخذتموه وراءكم ظهريا} [هود: 92] يقول: عززتم قومكم، وأظهرتم بربكم " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {واتخذتموه وراءكم ظهريا} [هود: 92] قال: لم تراقبوه في شيء، إنما تراقبون قومي، واتخذتموه وراءكم ظهريا لا تخافونه " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {أرهطي أعز عليكم من الله} [هود: 92] قال: أعززتم قومكم واغتررتم بربكم "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٥٥٦) ↗التحرير والتنوير
92] قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) لما أرادوا بالكلام الذي وجهوه إليه تحذيره من الاستمرار على مخالفة دينهم، أجابهم بما يفيد أنه لم يكن قط معولا على عزة رهطه ولكنه متوكل على الله الذي هو أعز من كل عزيز، فالمقصود من الخبر لازمه وهو أنه يعلم مضمون هذا الخبر وليس غافلا عنه، أي لقد علمت ما رهطي أغلب لكم من الله فلا أحتاج إلى أن تعاملوني بأني غير عزيز عليكم ولا بأن قرابتي فئة قليلة لا تعجزكم لو شئتم رجمي. وإعادة النداء للتنبيه لكلامه وأنه متبصر فيه. والاستفهام إنكاري، أي الله أعز من رهطي، وهو كناية عن اعتزازه بالله لا برهطه فلا يريبه عدم عزة رهطه عليهم، وهذا تهديد لهم بأن الله ناصره لأنه أرسله فعزته بعزة مرسله. وجملة واتخذتموه وراءكم ظهريا في موضع الحال من اسم الجلالة، أي الله أعز في حال أنكم نسيتم ذلك. والاتخاذ: الجعل، وتقدم في قوله: أتتخذ أصناما آلهة في سورة الأنعام [74] . والظهري- بكسر الظاء- نسبة إلى الظهر على غير قياس، والتغييرات في الكلم لأجل النسبة كثيرة. والمراد بالظهري الكناية عن النسيان، أو الاستعارة لأن الشيء الموضوع بالوراء ينسى لقلة مشاهدته، فهو يشبه الشيء المجعول خلف الظهر في ذلك، فوقع ظهريا حالا مؤكدة للظرف في قوله: وراءكم إغراقا في معنى النسيان لأنهم اشتغلوا بالأصنام عن معرفة الله أو عن ملاحظة صفاته. وجملة إن ربي بما تعملون محيط استئناف، أو تعليل لمفهوم جملة أرهطي أعز عليكم من الله الذي هو توكله عليه واستنصاره به.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٥١) ↗