سورة هود · الآية ٩١
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإلى مدين أخاهم شعيبا } إلى آخر القصة أي: { و } أرسلنا { إلى مدين } القبيلة المعروفة الذين يسكنون مدين، في أدنى فلسطين { أخاهم } في النسب { شعيبا } لأنهم يعرفونه، وليتمكنوا من الأخذ عنه. ف { قال } لهم: { يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } أي: أخلصوا له العبادة، فإنهم كانوا يشركون به، وكانوا - مع شركهم - يبخسون المكيال والميزان، ولهذا نهاهم عن ذلك فقال: { ولا تنقصوا المكيال والميزان } بل أوفوا الكيل والميزان بالقسط. { إني أراكم بخير } أي: بنعمة كثيرة وصحة، وكثرة أموال وبنين، فاشكروا الله على ما أعطاكم، ولا تكفروا بنعمة الله فيزيلها عنكم. { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } أي: عذابا يحيط بكم، ولا يبقي منكم باقية. { ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط } أي: بالعدل الذي ترضون أن تعطوه، { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم } أي: لا تنقصوا من أشياء الناس، فتسرقوها بأخذها بنقص المكيال والميزان. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } فإن الاستمرار على المعاصي، يفسد الأديان، والعقائد، والدين، والدنيا، ويهلك الحرث والنسل. { بقيت الله خير لكم } أي: يكفيكم ما أبقى الله لكم من الخير، وما هو لكم، فلا تطمعوا في أمر لكم عنه غنية، وهو ضار لكم جدا. { إن كنتم مؤمنين } فاعملوا بمقتضى الإيمان، { ومآ أنا عليكم بحفيظ } أي: لست بحافظ لأعمالكم ووكيل عليها، وإنما الذي يحفظها الله تعالى، وأما أنا فأبلغكم ما أرسلت به. { قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ } أي: قالوا ذلك على وجه التهكم بنبيهم، والاستبعاد لإجابتهم له. ومعنى كلامهم: أنه لا موجب لنهيك لنا، إلا أنك تصلي لله وتتعبد له، أفإن كنت كذلك، أفيوجب لنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق لك، فكيف نتبعك ونترك آباءنا الأقدمين أولي العقول والألباب؟! وكذلك لا يوجب قولك لنا: { أن نفعل في أموالنا } ما قلت لنا من وفاء الكيل والميزان، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
[وقال السدي: {وإنا لنراك فينا ضعيفا} قال: أنت واحد] (1) . [وقال أبو روق: {وإنا لنراك فينا ضعيفا} يعنون: ذليلا؛ لأن عشيرتك ليسوا على دينك، فأنت ذليل ضعيف] (2) . {ولولا رهطك} أي: قومك وعشيرتك؛ لولا معزة قومك علينا لرجمناك، قيل (3) بالحجارة، وقيل: لسببناك، {وما أنت علينا بعزيز} أي: ليس لك عندنا معزة. {قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله} يقول: أتتركوني لأجل قومي، ولا تتركوني إعظاما لجناب الله أن تنالوا نبيه بمساءة. وقد اتخذتم جانب الله {وراءكم ظهريا} أي: نبذتموه خلفكم، لا تطيعونه ولا تعظمونه، {إن ربي بما تعملون محيط} أي: هو يعلم جميع أعمالكم وسيجزيكم بها. لما يئس نبي الله شعيب من استجابة قومه له، قال: يا قوم، {اعملوا على مكانتكم} أي: على طريقتكم، وهذا تهديد ووعيد شديد، {إني عامل} على طريقتي ومنهجي {سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} أي: في الدار الآخرة، {ومن هو كاذب} أي: مني ومنكم، {وارتقبوا} أي: انتظروا {إني معكم رقيب} . قال الله تعالى: {ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا} وهم قومه، {الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين} وقوله {جاثمين} أي: هامدين لا حراك بهم. وذكر هاهنا أنه أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء عذاب يوم الظلة، وهم أمة واحدة، اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها. وإنما ذكر في كل سياق ما يناسبه، ففي الأعراف لما قالوا: {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا} [الأعراف:88] ، ناسب أن يذكر هناك الرجفة، فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها، وأرادوا إخراج نبيهم منها، وهاهنا لما أساءوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ناسب ذكر الصيحة التي أسكتتهم (4) وأخمدتهم، وفي الشعراء لما قالوا: {فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين} [الشعراء:189] ، قال {فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم} [الشعراء:189] ، وهذا من الأسرار الغريبة الدقيقة، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فينا ضعيفا} [هود: 91] ذكر أنه كان ضريرا، فلذلك قالوا له: {وإنا لنراك فينا ضعيفا} [هود: 91] ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا أسد بن زيد الجصاص، قال: PageEndV12P553 أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، في قوله: " {وإنا لنراك فينا ضعيفا} [هود: 91] قال: كان أعمى " حدثنا عباس بن أبي طالب، قال: ثني إبراهيم بن مهدي المصيصي، قال: ثنا خلف بن خليفة عن سفيان، عن سعيد، مثله حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا إبراهيم بن زياد وإسحاق بن المنذر، وعبد الملك بن زيد، قالوا: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، مثله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٥٥٢) ↗التحرير والتنوير
والودود: مثال مبالغة من الود وهو المحبة. وقد تقدم عند قوله تعالى: ودوا لو تكفرون كما كفروا في سورة النساء [89] . والمعنى: أن الله شديد المحبة لمن يتقرب إليه بالتوبة. [91] 91] قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) والفقه: الفهم. وتقدم عند قوله تعالى: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا في سورة النساء [78] ، وقوله: انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون في سورة الأنعام [65] . ومرادهم من هذا يحتمل أن يكون قصد المباهتة كما حكى الله عن المشركين وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر [فصلت: 5] وقوله عن اليهود: وقالوا قلوبنا غلف [البقرة: 88] . ويجوز أن يكون المراد ما نتعقله لأنه عندهم كالمحال لمخالفته ما يألفون، كما حكى الله عن غيرهم بقوله: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب [ص: 5] ، وليس المراد عدم فهم كلامه لأن شعيبا- عليه السلام- كان مقوالا فصيحا، ووصفه النبيء صلى الله عليه وسلم بأنه خطيب الأنبياء. فالمعنى: أنك تقول ما لا نصدق به. وهذا مقدمة لإدانته واستحقاقه الذم والعقاب عندهم في قولهم: ولولا رهطك لرجمناك، ولذلك عطفوا عليه وإنا لنراك فينا ضعيفا أي وإنك فينا لضعيف، أي غير ذي قوة ولا منعة. فالمراد الضعف عن المدافعة إذا راموا أذاه وذلك مما يرى لأنه ترى دلائله وسماته. وذكر فعل الرؤية هنا للتحقيق، كما تقدم في قوله تعالى: ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا [هود: 27] بحيث نزلوه منزلة من
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٤٨) ↗